الحساب والرياضيات في الشعر العربي

الكاتب: رغداء

الحساب والرياضيات في الشعر العربي

صلاح الشهاوي-

سأل أحد أساتذة الرياضيات في إحدى الجامعات الأمريكية عن أحد تلامذته الذي كان يشرف على دراسته لنيل درجة الدكتوراه في الرياضيات، فقيل إنه قرر أن يصبح شاعراً، فأجاب خيراً فعل، وهذا ما توقعته مسبقاً، حيث إنه لا يملك عاطفة قوية حتى يصبح عالم رياضيات.
إن للرياضيات حضورا في كل مكان تقريباً سواء عند بناء منزل أو غرس شجرة. وقد يستغرب بعضهم، فإن للرياضيات حضوراً أيضاً في الشعر.

فالرياضيات فن تعبيري لا يختلف عبقرية عن بقية الفنون التعبيرية كاللغة أو التصوير أو الموسيقى، وديوان الشعر العربي حوى بين أبوابه وأغراضه التي نظم الشعراء فيها قصائدهم باباً لعلم الحساب والأرقام التي قد لا تحمل أي معنى جمالي يُلهم أو يُوحي، والغريب أن شعراء كباراً تلمع أسماؤهم في ديوان الشعر العربي طرقوا هذا الباب، وتركوا لنا أشعاراً تحتاج بالفعل إلى إحكام العقل وكد الذهن بعيدا عن مجالات ورؤى الإلهام والخيال التي يحفل بها الشعر العربي. وأول من قال شعراً ضُمّنَ مسألة حسابية معقدة كانت زرقاء اليمامة، ومن البديهي القول إنها لم تكن تود أن تضع معضلة رياضية في قالب شعري، إنما كل ما في الأمر أنها كانت حادة البصر، وقد نظرت يوما فرأت حماماً وارداً ماء فقالت ببديهة حاضرة:
ليت الحمام ليه
ونصفه قدية
إلـى حمامتيه
صار الحمام مية
والمعنى إذا أضيف إلى سرب الحمام نصفه وحمامة واحدة لكان حاصل الجمع مئة، وكان -إذ ذاك- صياد واقفا فاصطاد الحمام جميعه فوجده كما ذكرت (66حمامة) فأعجب بها العرب لأن استخراج العدد من هذين البيتين يحتاج إلى عملية حسابية قد يعجز عنها الكثيرون.
وحل مسألة زرقاء اليمامة بالرمزية الرياضية على النحو الآتي:
س + س/ 2 + 1 = 100
2س + س + 2 = 200
3س = 198
س = 66
ولقد أعجب النابغة الذبياني بالمدرك الاستقرائي س+ س/2  + 1 = 100 فعلق علي أبيات زرقاء اليمامة -ويظهر أنه كان يعرف عدد الطيور- فقال مخاطبا الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت
إلى حمام سراع وارد الثمد
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا
إلى حمامتنا مع نصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما ذكرت
تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مئة فيها حمامتها
وأسرعت حسبة في ذلك العدد!
وبعد النابغة الذبياني جاء أبو نواس بمسألة شعرية عويصة شغلت العلماء لفترة طويلة، مما جعلها في عداد الأحاجي والألغاز والأبيات هي:
حبيبي قد غزا قلبي
بألحاظ وأحداق
له الثلثان من قلبي
وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقي
وباقي الثلث للساقي
وتبقى أسهم ست
تقسم بين عشاق
وتفسير ذلك أن الأصل واحد وثمانون والثلثان منها أربعة وخمسون وثلثا ثلثه: ثمانية عشرة وثلث ثلث ما يبقي جزءان ،وثلث الثلث جزء فذلك خمسة وسبعون ويبقي ستة أجزاء وهي التي تجزأ بين عشاق. وحل المسألة الشعرية بالرمزية العصرية:
81×2/3=27×2=54 وهو الثلثان من قلبي
81×2/3×1/3=18 ثلثا ثلثه
54+18=72 لها
81-72=9 الباقي
9×2/3×1/3=9/3×2/3 =18/9=2 وهو ثلثا ثلث الباقي
9×1/3×1/3= 9/3×3=9/9 =1وهو ثلث ثلث الباقي
2+1=3 للساقي
72لها+3للساقي=75
الأصل 81-75=6 تجزأ بين عشاق.
وجاء على هامش إحدى المخطوطات المسألة المنظومة الآتية وجوابها، وهي مذيلة باسم بدر الدين الزركشي:
عَجِبتُ لمالٍ ثُلُثان ثُلثِهِ
وثَلثا ثلثِ الثلثِ ثلث ودرهم
أيا معشر الحُساب هذي فضيلة
فكم كان هذا المال قبل القسامة
والجواب :
قل المال قبل القَسْم دالاً وقد أتى
جوابك في رمز فكن متفهما
وضابطه بَسْطُ غَدا منه مقامه
كنسبة لذي الجهل والعما
مجموع هذا المال تنصيف تسعة
وهذا جواب الشيخ والله أعلما
والحل بالرمزية العصرية:
يَبين من الشطر الأول للبيت الأول أن الحد الأول من المعادلة الواردة يحوي الكسر 2/3 ×1/3 المال الأصلي (قبل انقسامه) فلنفرضه تسعة حتى يكون الناتج عدداً صحيحاً . وبذلك فإنه حسب منطوق المسألة:
ثلثا ثلث المال = 2/3×1/3 ×9 ( المال المفروض) = 2
ثلثا ثلث ثلث المال = 2/3×1/3 ×1/3 ×9 ( المال المفروض) = 3/2
فيكون المجموع : 2/3  2، ولما كان المجموع حسب منطوق المسألة هو 1/3 1 فقط فإن المال لابد وأن يساوي 9/2 كما جاء في الجواب المنظوم.
وعلى هامش متن كتاب ابن الهائم المصري: «مرشدة الطالب إلى أسمى المطالب» جاءت المسألة الآتية:
دفعت إليه ثُلثَ داري هدية
وربعاً وسدساً فاستقل عطيتي
فقلت له والثمن خذه فلم يُجب
فضفت إليه نصف ربع هديتي
وأبقيت لي عشرين بيتاً لحاجتي
وبيتاً لأضيافي وأهل مودتي
فقل لي كم في الدار بيت وقسم
البيوت على تأصيل أصل قضيتي
والحل بالرمزية العصرية:
الهدية المقترحة ( 1/3+1/4+1/6) عدد البيوت زد عليها 1/8 العـدد حسـب الشطـر الأول مـن البيـت الثانــي. وبــذلك تكـــون جملـــة البيـوت المقترحــــة (1/3+1/4+1/6+1/8) أي 7/8 ممــا يملـك فـــإذا أضيــف إلـى هــذه الهديــة نصــف ربعهـــا -طبقاً لما جاء في الشطر الثاني من البيت الثاني- تصبح الهدية 7/8×9/8 مجموع البيوت أي 63/64 جملة البيوت، أي أن ما تبقى لمقدم الهدية يمثل 1/64 فحسب ما عنده وهذا يساوي 21 بيتاً. ومن ثم فإن الدار تتكون من 64×21 = 1344 بيتاً.
هذا ويمكن التحقق من ذلك بتطبيق ما جاء بنص النظم. حيث 1/3+1/4+1/6+1/8 البيوت 7/8 × 1344= 1178 بيتاً.
يضاف إلى ذلك نصف ربع هذا العدد. أي 147 بيتاً، فإن نحن احتسبنا ما تبقى وهو عشرون بيتاً لحاجة الواهب وبيت واحد للضيوف. صار أصل عدد البيوت:
1176+ 147+21= 1344 بيتاً.
وفي أرجوزة ابن غازي المكناسي الفاسي، المتوفى سنة 919هـ، شرح لمعنى العملية الحسابية (الضرب) شعرياً في قوله:
والضرب جمع لأعداد
بقدر ما في الثاني من آحاد
وقيل بل تضعيف مثل واحد
بعدة الأمثال دون زائد
وهو قول ناقد ذي حدس
يبدي دليله اختلاف الجنس
ولشعراء العربية مقطوعات شعرية عدة أشاروا فيها للحساب وأهله منهم أبو الفضل بن الحسين -كشاجم- حين يصف لنا تخت الحساب والرمل الذي يضرب عليه الحساب فيقول:
وقلم مداده تراب
في صحف سطورها حساب
يكثر فيه المحو والأضراب
من غير أن يسود الكتاب
حتى يبين الحق والصواب
وليس إعجام ولا إعراب
وقال شاعر ظريف في كاتب حساب جاهل:
لو قيل كم خمس وخمس لارتأى
يوما وليلته يعد ويحسب
يروي بمقلته السماء مفكرا
ويظل يرسم في التراب ويكتب
ويقول:
معضلة عظيم أمرها !!
ولئن فهمه فإن فهمي أعجب
حتى إذا خدرت أنامل كفه
تعبا وكادت عينه تتصوب
أوفى على نشز، وقال ألا اسمعوا
قد كدت من طرب أجن و أسلب
خمس وخمس ستة أو سبعة
قولان قالهما الخليل وثعلب
فيه خلاف ظاهر ومذاهب
لكن مذهبنا أصح وأصوب
وخواطر الحساب فيها كثيرة
وأظن قولي فيهم لا يكذب
وهذه المسألة الشعرية للخليل بن أحمد -والتي أتت في سياق أبيات ذم فيها بخيلاً- يقول فيها:
كفاك لم تخلقا للندى
ولم يك لؤمهما بدعة
فكف عن الخير مقبوضة
كما حط عن مائة سبعة
وأخرى تسعة آلافها
وثلاثميها لها شرعة
والمعنى  (حط عن مئة سبعة ) أي 100-7=93 والدلالة عن الرقم 93 يكون بقبض جميع أصابع اليد اليمنى، (تسعة آلافها وثلاثميها) أي 9000 + 300 = 9300  وللدلالة عن الرقم 9300 يكون بقبض جميع أصابع اليد اليسرى وقبض اليدين معا بهذه الطريقة كناية عن البخل الشديد.
وإذا كان الغرب لم يعرف الصفر قبل القرن الثاني عشر الميلادي فإن الشاعر العربي عرفه قبل ذلك بقرون طويلة حيث استخدم الصفر في الشعر الجاهلي للتعبير عن معنى (خلا) وذلك ما سجله حاتم الطائي في قصيدته التي مطلعها:
أماوي قد طال التجنب والهجر
وقد عذرتني في طلابكم العذر
وبيته الشاهد هو:
ترى أن ما أهلكت لم يك ضرني
وان يدي مما بخلت به صِفْرُ
وكان العرب يرسمون الصفر حلقة يؤكد هذا بيتان قالهما الأسود بن بلال المحاربي لما أغزاه الوليد بن يزيد البحر. وفيهما يشير إلى استخدام الحلقة للدلالة على عدم وجوده:
لتعترض اسمي لدى العرض حلقة
وذلك إن كان الإياب يسير
وقد كان في حول الشرَبّّة مقعد
لذيذ وعيش بالحديث غزير
وهذا المعنى يوافق تماما شكل الصفر -الحلق- (0) في الأرقام العربية التي يستعملها الغرب والمغرب العربي حالياً.
هذا وقد أنشأ علماء العرب والمسلمين عدة منظومات شعرية في علوم الحساب والهندسة والمساحة والجبر والمقابلة، صاغوا فيها أصول هذه العلوم في قوالب رصينة وجميلة، كذلك، فإن هناك منظومات وضعت في مجال حساب المواريث (علم الفرائض) وهي منظومات جديرة -في الواقع- بدراسة مستقلة، وأهم المنظومات التي كتبت في مجال الرياضيات:
-1 الأرجوزة الياسمينية:
وهي أرجوزة في الجبر والمقابلة تقع في 54 بيتاً وهي من نظم -أبي محمد عبد الله بن الحجاج- الملقب بابن الياسمين (المتوفى : 601هـ – 1204م) وتبدأ الأرجوزة بالبيت الآتي:
الحمدُ لله على ما ألهما
ومَنّ مِنْ تعليمه وَفَهَّمَا
-2 أرجوزة في الحساب والمساحة:
من نظم شهاب الدين أحمد بن محيي الدين يحيى الشافعي الشهير بالضميري، يصفع مؤلفها بقوله:
قال ابن يحيى أحمد أرجوزة
هينة في بابها عزيزة
أبياتها عِدةَُّ أيام السنة
وكل بيت فيه ألْفاّ حَسَنةَ
حاز على وزنٍ من الفصاحة
بعلم الحساب والمساحة
-3 منظومة المُقنع في علم الجبر والمقابلة:
أنشأها شهاب الدين أبو العباس، المعروف بابن الهائم المصري المقدسي (753-815هـ) (1352- 1412م) وتشتمل المنظومة على 59 بيتاً من بحر الطويل، ويشير ابن الهائم إلى الغرض من القصيدة حيث يقول:
وبعد فَعِلم الجر على مُعظم
يميل إليه المتقنون الأفاضل
وإني لحاو لبه في قصيدة
بها يكتفي ذو فطنة ويُطاول
-4 منظومة الأكسير المُبتغي من صنعة التكسير:
هي أرجوزة في مساحات الأشكال وتشمل 203 أبيات وهي من نظم ابن ليون التجيبي ( المتوفى: 750 هـ – 1346م) ومطلعها:
الحمد لله على أن يسرا
من مُهج التكسير ما قد عسرا
-5 منظومة البقاعي في الحساب والمساحة:
لبرهان الدين إبراهيم بن الرباط البقاعي الشافعي، المتوفى سنة (885هـ 1480م) وأولها:
الحمد لله الحسيب الفرد
حمداً كثيراً ماله من عَدِّ
-6 منظومة في علم الفرائض والجبر والمقابلة ومسائل نافعة:
أرجوزة تضم ألف بيت أنشأها إبراهيم بن ناصر النواوي.
-7 منظومة منية الحساب:
وهى مُزدوجة في الحساب من نظم محمد بن غازي العثماني المكناسي، ( 858-919هـ ) ( 1456- 1513م)
-8 أرجوزة نخبة التفاحة حاوية قواعد المساحة:
نظم عبد الطيف بن على الدمشقي.
-9 منظومة اللباب في أصول الحساب:
أرجوزة من تأليف جمال الدين محمد بن عمر الشهير ببحرق الحضرمي، المتوفى سنة (930هـ/1523م) وأولها:
الحمد لله القديم الأبدي
حمداً يحيلُ عن تناهي العدد
-10 أجنحة الرغاب في معرفة الفرائض والحساب:
لأبي سالم إبراهيم بن أبي القاسم السملالي.
وفي هذا الباب الكثير مما يعجز المقال عن ذكرها هنا.
وفي الختام نورد بعض الأبيات في بيان فضل الحساب:
قال الفقيه أبو الحجاج الطرطوشي:
إن علم الحساب علم رفيع
فيه عون إذ تشتري أو تبيع
لم يضع قط درهم بحساب
وألوف بلا حساب تضيع
وقال بعضهم :
إن الحساب من العلوم جليل
وعلى دقيقات العلوم دليلُ
فاحرص على علم الحساب فإنه
برياضة المستصعبين كفيلُ
لولا الحسابُ والعلمُ لك فريضة
لم يُعلمِ التحريمُ والتحليلُ

عن المجلة العربية

13 سبتمبر 2010 12:15 ص | تاريخ ينبض


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 5 على “الحساب والرياضيات في الشعر العربي”

  1. صلاح الشهاوي يقول:

    شكراً لكم
    كاتب المقال
    صلاح الشهاوي
    دمشيت طنطا مصر

  2. رغداء يقول:

    أهلاً بك أستاذ صلاح, مقال مفيد وطريف نشكرك عليه

  3. نانا يقول:

    تحياتي شكرا جزيلا

  4. يحيى شحرور يقول:

    هلا أفدتمونا أين يمكن أن أجد أيا من هذه المنظومات

  5. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    كثير من هذه المنظومات تجدها على الأنترنت ويمكن تحميلها
    ضع اسم المنظومة في محرك البحث غوغل وستجد مواقع تحميلها

أكتب تعليقاً