الإخلاص- الأساس في السلوك النهضوي
الكاتب: محمدالإخلاص- الأساس في السلوك النهضوي
أصطلح على تسمية السلوك الذي يقود مجتمعنا إلى تزايد الضعف في مقدرته على خوض صراع الوجود في عالمنا المعاصر قريب الشبه بالغاب والذي يسوده قانون الغاب عملياً “بالسلوك الانحطاطي”.
وعكس هذا السلوك، أي السلوك الذي يسبب لمجتمعنا نقلة إلى الأفضل في مقدرته على الدفاع عن وجوده في هذا العالم أسميه “السلوك النهضوي”.
ثمة دوافع كثيرة للسلوك الانحطاطي يمكن لنا أن نستقرئها، فللتوضيح، ولكي لا نظل في كلام عام مجرد، أذكر هنا بعض الأمثلة.
1- قيادة إدارية تشجع الموالين لها وترفع من درجاتهم الوظيفية بغض النظر عن إتقانهم للعمل وقيامهم به بضمير، بل قد تحارب أصحاب الضمير بسبب نفورهم من النفاق وقبول مبدأ “الاستزلام”.
2- زملاء في عمل واحد يحسدون بعضهم ويحاولون عرقلة نجاح أي فكرة جديدة لظنهم أنها ستقود لرفع مكانة صاحبها وتنزيل مكانتهم هم.
3-أقارب لا يترددون في إثخان بعضهم بالجراح بسبب حساسيتهم المفرطة وظنهم أن القريب لا “يحترمهم” بما فيه الكفاية (وهو ما أسميه “الكرامة الزائفة” وهي التشويه الانحطاطي في نظري للمفهوم النهضوي للكرامة).
4-عامل أو موظف في مجال ما لا يرى من واجبه إتقان عمله، ولا يمانع في الإهمال طالما هو في مأمن من العقاب ومعياره للعمل هو التالي: هل يؤدي إهمال هذا العمل إلى عقوبة؟ فإن كان الجواب: لا! أهمل واجبه بلا تردد.
ما هو الرابط الذي يجمع دوافع الناس في أمثلتنا هذه؟ إنه فقدان مرجع أعلى من المصلحة الذاتية المباشرة، واعتبار المصلحة المادية أو المعنوية للذات هي المرجع الأعلى والآمر الذي من الواجب طاعته والسير بمقتضى توجيهاته.
ففي المثال الأول تحكمت مصلحة حيازة السلطة، وفي الثاني تحكمت مصلحة البروز ومنع الآخرين من البروز على حساب أنانية الذات واعتدادها (الانحطاطي) بنفسها، وفي الثالث صارت الكلمة لذات متضخمة لم تعر لتوجيهات الدين والأخلاق بالإحسان للقريب وتحمل أذاه أي اعتبار، وفي الرابع أهمل العامل أو الموظف عنصر المصلحة العامة كل الإهمال، ولم يلتفت إلا إلى مصلحة راحته الشخصية أو ميله إلى الكسل وعدم بذل الجهد كلما أمكنه أن يكسل ولا يبذل جهداً.
وفي الحقيقة إن الخضوع لمرجع أعلى هو ما يميز الإخلاص.
فالمتدين الصادق لا يرى أن رضى الناس مثلاً أو سخطهم هو الشيء المطلق الذي يجب أن يحسب حسابه، بل يرى أن رضى الله عنه هو المرجع وهو المهم.
وصاحب الأخلاق السامية من غير المتدينين يرى أن إرضاءه لضميره هو ما يجب أن يهتم به ويسعى إليه، وكل شيء خارج هذا المرجع المطلق لا أهمية له.
من هنا يكون صاحب المرجع المطلق، الخارج عن حدود المصلحة الأنانية للذات، “مخلصاً” في سلوكياته، لأنها لم تحددها دوافع أنانية ذاتية.
كيف يتصرف “المخلص”< وفقاً لهذا التعريف في أمثلتنا الأربعة؟
1-القائد الإداري المخلص يرى أن نجاح العمل الجماعي هو الذي يحدد من يشجع من مرؤوسيه، ومن هنا هو يختار الأكفأ والأكثر إتقاناً وأمانة في عمله حتى لو لم يكن يميل إليه من الناحية الشخصية. ونلاحظ أن من علامات المخلص مقدرته على مكافحة عواطفه الخاصة وانفعالات المودة الذاتية أو النفور لصالح مصلحة موضوعية تتعدى نطاق مصلحة الذات.
2- الزميل المخلص يرحب بنجاحات زميله، لأنه لا يرى فيها التهديد لأنانيته وموقعه الشخصي، بل يرى فيها خير العموم، ويعتقد أن كل نجاح يرفع من حال المجتمع كله.
3-القريب المخلص لا يتبع في تعامله مع أقاربه سياسة “المعاملة بالمثل” لأنه لا ينتظر جزاء تعامله الحسن لذاته بل ينتظر الجزاء عند مرجع أعلى هو الله (كما نرى في نصوص إسلامية ومسيحية متعددة) أو هو الضمير عند العلماني صاحب الأخلاق.
4-وكذلك العامل أو الموظف المخلص يخشى من عواقب إهماله، ليس العقاب الدنيوي بل عقاب الله أو تأنيب الضمير عند غير المتدينين من المخلصين.
من هنا نقول إن “الإخلاص” هو أساس السلوك النهضوي، وفقدان الإخلاص هو على العكس أساس السلوك الانحطاطي.
محمد شاويش
06 يونيو 2009 06:22 م | وعي و وعي ممارس
نسخة الطباعة