إلياس سحاب يحاضر عن موسيقى توفيق الباشا: عندما يدفع الفنان ثمن طموحاته الكبيرة!
الكاتب: محمدبيروت ـ ‘القدس العربي’ الموسيقار توفيق الباشا – زهرة مرعي
كان عنوان محاضرة الناقد والباحث الموسيقي الياس سحاب لشهر نيسان (أبريل) الجاري في مكتبة السبيل في بيروت. وصفه بداية بالموسيقي المظلوم لأنه كان جدياً أكثر من اللزوم. ومع إعلان سحاب إحترامه لجدية الباشا وعدم مناهضتها، لكنه وجد أنه دفع الثمن لأنه عمل وفق طموحاته الكبيرة وليس وفق ما يقتضيه الجمهور. وتوقع سحاب أن تكون للباشا مكانته مع إنتهاء موجة الهبوط. لكنه عاد ليعلن عدم تفاؤله بزوال موجة الهبوط الفني في المدى المنظور لأنها مرتبطة بالواقع السياسي والإجتماعي الذي لا أفق لتبدله.
بالعودة إلى ولادة توفيق الباشا فهي محددة في سنة 1924، وكانت أم كلثوم حينها قد بدأت الغناء في سنة 1923. وإستطرد سحاب ليقول أن عاصي الرحباني ولد سنة 1922، ومنصور الرحباني سنة 1925. وكان لولادة هذا الثلاثي في هذه المرحلة نعمة النشأة وتفتح الآذان على أهم عطاءات الموسيقى العربية. كما وكان لهذا الثلاثي موهبة كبيرة وعملوا جميعهم على تكبيرها وصقلها وتنميتها.
وبعد وفاة سيد درويش برز في القاهرة مجموعة عباقرة هم محمد القصبجي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي. والكثير من الفنانين اللبنانيين كانوا ينهلون منهم وعبر مشاهدة الأفلام المصرية مراراً وتكراراً لمعاينة التطورات الموسيقية الجديدة ومنهم توفيق الباشا.
ويذكِّر الناقد الياس سحاب من خلال معرفته الوثيقة بالموسيقار توفيق الباشا أن الأخير باح أمامه بأن اللحن الذي نظمه الموسيقار رياض السنباطي في سنة 1937 في فيلم ‘نشيدالأمل’ ‘إفرح يا قلبي’ وغنته أم كلثوم هو الذي حسم خياره في أن يكون موسيقياً. مع العلم أن الباشا نشأ في منزل يهوى السماع. فوالده عبد الرحمن الباشا كان من كبار متذوقي الموسيقى ومن أصدقاء الموسيقار الراحل زكي ناصيف الذي ترك كبير الأثر في توفيق الباشا وخاصة في مرحلة شبابه. وكان هو من علمه العزف على الفيولونسيل. وعندما كبر توفيق وصار صاحب موهبة متمكنة وعلم وفير أصبح صديقاً مع زكي ناصيف وقد تعاونا كثيراً في الموسيقى.
يعتبر محمد عبد الوهاب من أوائل الموسيقيين الذين تأثر بهم توفيق الباشا، ولهذا قدم مغناة ‘كليوباترا’ حية في الإذاعة اللبنانية. كما ولحن في بدايات حياته الفنية ‘خمرة الآلهة’ للشاعر علي محمود طه الذي كتب لعبد الوهاب ‘الجندول’، ‘كليوباترا’ ومن ثم ‘فلسطين’. أما قصيدة ‘خمرة الآلهة’ فقد غناها المطرب محمد غازي في أواخر الأربعينيات، ورغم تأثر الباشا بعبد الوهاب إلا أن روحه كانت موجودة وهو بدأ يأخذ طريقه الصحيح بعد أن إستوعب النهضة الموسيقية من حوله وأعطاها من ذاته.
ووصف سحاب توفيق الباشا بأنه من أكثر الموسيقيين العرب الشاغلين على الموسيقى الآلية ـ موسيقى بدون صوت بشري ـ في حين أن محمد عبد الوهاب له فقط 60 معزوفة، وفريد الأطرش 15.
وفي مرحلة السماع والتحليل التي إنتقل إليها سحاب إختار مقطوعتين من ‘حكاية لبنان’ العمل المسرحي الذي تمّ تقديمه في بعلبك، وفيه تعاون على التلحين والتأليف الموسيقي مع الموسيقار زكي ناصيف. بداية كان سماع لمقطوعة ‘التبولة’ التي عزفتها الأوركسترا بقيادة الباشا نفسه الذي كان يتميز بحيوية كبيرة في هذه المهمة التي يعشقها. فالباشا نهل بقوة من ينابيع الموسيقى العربية، قبل أن ينطلق للتعمق بنظريات الموسيقى الأوروبية. وهو سبق له وقام بعدة جولات مع فرقة باليه إيرانية في أوروبا. أما في مقطوعة ‘التبولة’ فقال سحاب بأن الباشا وزكي ناصيف حينها كانا واقعين تحت تأثير الفلولكلور السلافي.
وفي السماع الثاني كنا مع مقطوعة ‘العاصفة والربيع’ من مسرحية حكاية لبنان أيضاً، وفيها حلل سحاب بأن الباشا كان متأثراً ببتهوفن المتأثر بدوره بموضوعات إجتماعية. وقد سمعنا المقطوعتين مسجلتين من حفل حي.
بالوصول إلى موضوع الموشحات التي أولاها الباشا عناية واضحة إلى جانب عنايته بتلحين القصائد، كان سماع لموشح ‘ناعم الخد المورد’ وهو لحن قديم لكن الباشا إشتغل على لحن جديد كلياً وسجله في الإذاعة اللبنانية. وما سمعناه في مكتبة السبيل هو التسجيل الذي قدمته فرقة بيروت سنة 1986 بقيادة المايسترو سليم سحاب. والإستماع الثاني في الموشحات كان في دمج وشبك موفقين بحسب سحاب لموشحين هما ‘ما الليل إلا’ و’أهيف قام يسقي’. وقد وصفهما بأنهما من أجمل ما لحن الباشا من موشحات. وقد ورد هذا التلحين ضمن برنامج أبن خفاجة الشاعر الأندلسي الكبير والذي كان يقدم من إذاعة لبنان.
وذكر سحاب بأن الباشا عمل على موشحات من التراث العربي، ومنها موشح ‘ملا الكاسات وسقاني’ الذي لحنه زعيم الملحنين محمد عثمان في القرن الـ19 . وفي إعادته لأعمال من التراث كان الباشا يتكل على صوتين إذاعيين هما محمد غازي الذي يعتبر أهم صوت مرّ على الإذاعة اللبنانية. أما في موشح ‘ملا الكاسات’ فقد إعتمد صوت سعاد محمد وهي من إكتشافاته. والباشا أعاد صياغة هذا الموشح ثلاث مرات وفي كل مرة كان يدخل عليه تجديداً. وهو كان يعتمد في عمله على الموشحات تسجيلها بصوت منفرد وكذلك مع الكورال.
أما موشح ‘ما إحتيالي’ الذي لحنه أحمد أبو خليل القباني الدمشقي فقد أعاد الباشا صياغته وأدته سعاد محمد والمجموعة وكذلك محمد غازي الذي كان له إرتجال أداه بروعة على مقام النهوند في برنامج حكاية لبنان سنة 1959 في كازينو لبنان.
مسك الختام في السماع مع الموسيقار توفيق الباشا كانت فاصلاً من برنامج ‘إسقي العطاشا’ والذي رأى سحاب بأن التاريخ سيخلده إلى جانب مقطوعات أخرى. وكان الإستماع إلى الفصل الثالث من ‘إسقي العطاشا’، وهي عبارة عن صلوات إستسقاء. وهو تراث موجود في حلب. وقد عهد الباشا في كتابة شعر هذا البرنامج للشاعر مصطفى محمود، وكان الغناء المنفرد لمحمد غازي، لكن الآداء الرئيسي يقع على كاهل كورس الإذاعة. وقد إستمعنا لتسجيل يعود لسنة 1954.
17 أبريل 2010 06:35 ص | تاريخ ينبض
نسخة الطباعة
21, يوليو, 2011 - 10:44 م
الفنان الرائع محمد غازي, ذلك الفنان الكبير بصوته, وادائه الرائع لتلك القصائد , استمع اليه وهو يشدوا ويغني الكلام الجميل الرائع الذي يعطيه روحا جديده ,فنان لن يجود الزمان بمثله