أم عمار سيدة بَنَت ولا تزال تبني الديار

الكاتب: رغداء

أم عمار سيدة بنت ولا تزال تبني الديار

عبد الكريم أنيس

 

تقوم قناة الدنيا الفضائية-المميزة حتى الآن- بربط واقع المجتمع بعيون ساكنيه و لا تحلق مع الاستهبال الاعتباطي المدروس  بعيداً عن واقع الحال و لا تتحدث أيضا عن نظريات سخيفة تُنسج في العلاقات الاجتماعية الرومانسية التائهة،إلى حد استغباء المشاهد ، فهي و بين الحين و الآخر تقوم برفد متابعها بقصص واقعية و حقيقية بعيداً عن ابتذال واضح في المضمون و الرسالة و التي يرتجي منها صاحب الصنعة البصرية أن تكون قدوة في أحايين و عبرة في أخرى بعد أن ازدادت و تناسبت ضحالة الفكر الإعلامي المبتذل عكساً مع تقدم وسائل الإعلام بأشكالها المختلفة ضمن خلط مزائج و أفكار بل و حتى مصطلحات غير متسقة مع هدف الإعلام السامي من حيث توعية المتلقي و رفع سويته المعرفية و الأخلاقية بل و حتى الحضارية .

 راقني و سررت للغاية بتقرير قدمته القناة عن سيدة باسمة ذات حضور بسيط و ذات وجه صبوح، أستطيع أن أعدها أمثولة لكل نساء بلدنا الحبيب هي أم عمار .

 أم عمار سيدة بالأربعينيات ببشرة حنطية كقمح بلادي المعطاء، مالت بعطائها تماماً كسنابل ذهبية مكتنزة بالحب و الخير بعيداً عن تكبر و تصنع أجوف ل”بعض من بدأ يطفو على وسائل الإعلام”و منّ بتن اليوم يحملنّ الشهادات، و يتلمعنّ بالماكياجات و يتحدثنّ برطانة اللغات و يرتدنّ الصالونات، بل و تعصف بهنّ الثورات أنهنّ متنمرات متمردات ،بعيداً عن أي خُلق(يتعارض و الذات) بل و حتى أي حياء، و على متن سفينة تكاد تذهب بمن فيها في عرض البحر بعيداً عن بذل ٍ لجهد أو حتى عطاء لمجرد الدخول بالمهاترات ليذهب الجهد الكامن فيهنّ و من حولهنّ ليصبح مجرد رمل في صحراء تزداد جدباً كلما أمعنّ في سياسات تمحيص الفروق بين تأنيث المفردات و مقدار النونات فيما بين الكلمات كي يمهرنّ المجتمع بصك البراءة من الذل و الجهل و الاعتناء بالنساء .

 يا لطيب حظي، فلم أعهد يوماً فيمن أنشأننا ،و زرعن فينا الأخلاق و العقيدة و النظام و حب العلم و حب كل الكائنات، أي بادرة على استدرار العطف أو حتى طلب اللطف أو رد الجميل و لم يتباكينّ في دفاع هزيل عن حقوق مهضومة بل كانت لهم مشاكل ككل الكائنات مع الطرف المقابل من سوء فهم لا يـُضخّم أو حتى شجار لا يُلون كما يحدث بين الأمعاء بعيداً هناك في ظلمة الأحشاء و الذي لا يلبث أن يعود لسابق عهده و كأن لم تعصف بسطح البحيرة بالأمس أي ريح أو حتى لم يمرّ أي شتاء بل ربيع مستمر ما دام الفؤاد دافئ و يعتمر بالخضرة و يسكنه الصفاء .

 أم عمار أعادت إليّ ذكريات و ذكريات و أعادت ريحاً طيبة كادت أن تزيغ عنها كثرة استخدام البارفانات و التصنّع و صناعة الخوف من الآخر أو حتى خلق عالم يسكنه العداء و الجفاء بدل المحبة و الود و الشراكة و حسن اختيار الشركاء.

أم عمار و مثلها كثيرات و لا أعني هنا فقط الأمهات بل كل أنثى قامت بالعطاء  …كأم جورج ، أم علي ، أم وفاء ،أم صفاء و حتى أم شيرو أو أم دحام ،كلهن سيدات عشنّ و بذلنّ و أعطينّ و ربينّ و لم ينتظرن العطاء أو حتى شكراً من طبيعة سمحاء جـُبلت عليها أنثى من نور و ضياء ، هي سيدة عادية كباقي النساء لم يزين سجلها أي من الشهادات و مع ذلك مهرت و مهدت طريقاً لبناتها و بنينها كل طريق يوصل للعلياء، أرضعتهم منها تواضعاً و حرصاً على مشاعر كل الكائنات، أضفت على شخصياتهم كثيراً من الإيجابية و التفاعل مع الآخرين بمسؤولية تجعل منهم يراقبون مدى تأثيرهم و تأثرهم مع المحيط في حالتي السلب و الإيجاب ، باختصار كانت مع أبيهم المتفاني بحب عائلته و المحظوظ بأم عمار تمثل معملاً للأخلاق و التربية الحسنة حتى مع ضيق ذات اليد و الحال .

  انتقلت أم عمار مع زوجها من ريف ادلب، حيث”المدن المنسية”،الغاطس حتى أذنيه في لقبه و الذي لبسه ما أطلقه عليه مروجو السياحة الأذكياء، لعاصمة البلاد و كما غيرها من أهل الوطن التعساء طلبت مع زوجها تحسين الأوضاع، و لكن و كما يحدث عند اكتظاظ المدن و فشل التخطيط بتخفيف الضغوط عن العاصمة صاحبة مركزية القرار ، عاشت فقراً و وحدة أكثر شدة مما كانت عليه في مسقط رأسها فأصبحت اليوم في غربة لها طعم المرارة و تعصف بها أسوء  الأحوال ، استمرت أياماً طويلة تعيش على الكفاف مع أطفالها و زوجها الذي كان يعمل بالكاد ما يكفي لتأمين بعض الطعام .و في بعض الأيام و كما تروي هذه المجاهدة الصابرة الصالحة تتالت عليها مع عائلتها أيام و أيام لم يحصلوا فيها سوى على كسرات يابسات من الخبز و شربة من  ماء ، لكن عقل هذه المرأة ،الذي لم ينشغل بجدليات أمور ترقيع أغشية البكارة أو بمحارم ليالي الدخلة أو تلك التي تختص بالمخاط و ما شابهها من توافه الأمور و سفاسف القشور ، جاد عقلها التي احتفظت فيه لمعركة الحياة على العائلة بشيء من اليسر و كثير من الأمل و زرعت في قلوب أهل بيتها العزاء، إذ عاد في يوم أبو الأولاد خجلاً يجر ورائه الخيبة و تقتير الرزق و كثيراً من الغضب من مجتمع أحمق لا يرحم ضعيفه و لا يحافظ على فقيره ولم يترك له بعضاً من أغلى ما يملكه البشر ألا و هو الكرامة_  امتهانا مِن مَن وليّ أمره في تقدير و تصريف الأمور_  إذ فتح الباب ليجد منظراً يثلج القلب و يريح البال ، أولاده يفترشون الأرض و يأكلون بنهم لحماً أبيض أعدته أم رؤوم … و من أين لهم بثمن كفاف الخبز كي يأتوا بلحم أبيض ؟؟؟ الجواب كان من حانية القلب بسيطاً و ليناً و داعب  قلباً مسه ظلم و قهر و نكران لتخبره أنها سمعت الجارات البسيطات اللواتي يقاسمنها سهرة المساء أنهن بحاجة لبعض من مطرزات الزينة التي تزين أوجه الطاولات … ومن لهذه المهمة أكثر من أم عمار تلك التي تعلمت فن تشبيك العقد بكل ذوق وحرفية؟، فقامت بجمع ما قامت بإعداده من “جهازها”و باعته و اشترت ببعضه طعاماً و بالبقية ما يعينها على أعادة الكرّة و ضمنت بذلك توظيف ما تعلمت بتفعيل حياتها و أهلها نحو الأمام ،ولم تتوقف عند جرأة وقحة ،و ليست بمكانها ،رسمتها بعض الحريات على أنها “شجاعة غير مسبوقة”بانتقاد بعض المسلكيات على أساس أنهنّ “متعلمات و ثوريات و متنورات”و كل ما خطه نقدهم مجرد نطاح مع خيالات أشبه ما تكون بطواحين يملأها الخواء خصوصاً إن خضنها بدون وعي مسبق أو حتى إدراك بعدم خلط الحابل بالنابل فتضيع أعراض البلاء و يذهب الدواء لغير ما جاء ….

  أم عمار يا سادتي لم تكتف ِ بتحرير ذاتها و أهلها من الجمود بل تعدّت ما نريد جميعنا من الحدود ؛ علّمت جيرانها من الفتيات و أضحت مسؤولة عن تأهيل مستقبل لشريحة من الشابات تضج بهم الحياة و يملئ حياتهم الضعف و الفقر والتقصير في تأهيل و تحفيز المكنونات من قدرات و مواهب هذه الفئات ذوات القدرات التي يراد لها التشتيت أو حتى الرضاء بفتات الحريات، تلك المقتصرة على حرية الأجساد و تجميد العقول و تفتيت الجهود ،أي جهود، حتى تلك الرامية للبناء….!!!

 أم عمار ،يا سادة يا كرام ،هي أنموذج ايجابي صغير لمجتمع كبير لم يحصل على تعليم كاف فلم ترض لبنيها صبياناً و بنات أن يصبن بعضاً من عسر الحياة، فعلمتهم و أحسنت تربيتهم فتخرّجوا من الجامعات ،علمتهم أن لا يحملوا السلالم للقيام بالاستعصاء بحجة الظهور أو حتى النيل مما يساهم بتدهور الأمور، بل أن يرصدوا و يساهموا ببعض الحلول ،علمتهم أن يكونوا موضوعيين و يتعاملوا مع الأمور بالروية و حسن توظيف العقول في حل ما استشكل من أمور للخروج من أي سلبيات تضع العصا في دواليب العبور باتجاه المستقبل بدون ضغينة و بدون حقد أو حتى تعطيل سفينة العبور….

 الكاميرا في أرجاء بيت أم عمار الدافئ البسيط لتدخل غرفة نوم يستلقي فيها طفلان نحيلان ، و يفتر ثغر أم عمار بلطافة و عطف عصفت بي بدون حدود عندما أخبرت من يقوم بإجراء الحوار أن هذين ولدي توأمان، يبلغان من العمر 18 عاماً و لكنهما و بتقدير صاحب اللطف و مدبر أحوال القلوب أصيبا بعلة مستديمة جعلت منهما شبه أحياء، يصعد الصدران و يهبطان بانتظام ليعلنا استمرار الحياة، و أي حياة مع هكذا إعاقة مستديمة لولا أن صدر هذه السيدة يمتلئ حباً و عطفاً و تحدياً و رضىً و شعوراً بالمسؤولية…و لا حظوا هنا مقدار ما عانته و تعانيه من بلاء يكاد يخطف بالعقول التي تمتلئ بالوهن و  تبرر العصيان و تُلبس النفس كل أنواع الهمّ و السواد و الانقلاب على كل ما يجاورها من كائنات بحجة السخط و انفلات موازين القوى التي تراعي مجتمعاً ليس للفقير فيه حق بالتفكير بأي ضمان اجتماعي كان أو صحي ….  لكنها استمرت قوية كما شجر السنديان و انحنت لعاصف من ريح قد يعصف بأي فينا كان و لم تستسلم و كأنها قد رضعت صبراً لا يطيقه إلا ذوي عقل و اتزان فهي تعرف و هي التي لم تولد مع ملعقة من ذهب أو حتى من تنك أن هذه المتناقضات معاً بمجموعها و عندما تتناغم معاً نخلق كائناً هو أقدر من بقية الكائنات على التعايش مع كل أشكال الحياة ،المريح منها و المتعب في السراء و الضراء. أين أنتنّ يا أمهات هذه الأيام هل علمتنّ بنيكم أن الحياة خوضٌ لبحر لا يركبه و يجتازه إلا الشجعان و الأقوياء ؟

أم عمار أصبحت مستشارة للإتحاد النسائي في توفير فرص تدريب لنساء غمرهم الجهل و تراكم الأعباء و فقدان بوصلة الفوز بالوصول لشاطئ الأمان… أم عمار هزمت  و تغلبت بل و فاقت بكدها و تعبها سيدات مخمليات تسيطر بترفها و تنظيرها على أحوال فئات من نساء مكدرات و يغلب عليهنّ الفقر و الحاجة،   كل تلك النساء الأرستقراطيات المتعلمات و الحاصلات على شهادات لا يساوي مجموع أحبارها ما وظفت أم عمار من عرق في تربية عملية و واقعية لطموح وليد لغصن مزهر خشت عليه أن يصاب بالجفاف فلا يعود صالحاً سوى للهلاك و الإتلاف فعلمته سرّ النجاح عمل و تعب و من ثم  سيأتي و لا ريب الإتقان….

 بنات بلادي الواعيات،أثق أنكنّ كثيرات و فيكن عديدات مغمورات، إن أصابت يوماً إحداكن بعض النجاح و أوصلتم صوتكنّ للملأ فلا تجعلنه صدى للمتنمرات و لا تتركنه منبراً للتبرأ من الحياء بل اجعلنه حصناً للفوز بالحقوق و للحصول على مزيد من تفعيل الجهود،تعلمنّ بعضاً مما قدمته أم عمار و مثيلاتها، أو لأكن دقيقاً أكثر لا تجعلنّ من نيلكن الشهادات طريقاً للإصابة بالغرور و تعلمنّ من أمهاتكنّ كيف تُكيف الأوضاع للعيش مع عظائم التجارب التي تمتلئ بها الحياة بنفس واقعية و واعية و  قدرة على التفاعل بايجابية و انسيابية كي تتغير بعض سلبيات الأمور ، فالقصة ليست مجرد فورات و تمردات لا يأتي من ورائها سوى الوجع و الارتهان لعواقب أمور ستعصف بكنّ إن لم تنقحنّ عواقب الأمور، و بالأخص إن لامست كيانكنّ الذي يُراد له أن يستباح، عملاً بما جاء في بلاد الباح باح ….صدقنني هي مجرد مقدمات و إيحاءات لا يراد لها سوى جرُّ الأمور لمزيد من حالة الفوضى ،و تعرفون حالنا و نحن بالفوضى، فتخيلن معي كيف ستصير الحال مع زيادة الفوضى …بكاء و ارتداد باتجاه الوراء و مزيد من النكوص باتجاه مزيد من الآلام و لتزداد الجروح و لتتعفن القروح و لننتظر البتر بعد أن أهملنا الدواء و أعمينا أعينا عن الانتصاح بالانتقاء لوابل من عواصف الحريات.

  هي الأنثى تلك المخلوقة المجبولة على العطاء و التي لا يحدها أي حدود …هي بذاتها أشجار بلادي الباسقة، تلك التي علمّت كيف تصنع من رحم القسوة الحنو و الإيثار و استظلينا بظلها كلما دارت و مالت بنا الأيام و تقلبت بنا الهموم… هي تلك الأنثى التي أنجبت و ستظل تنجب أزهار الليمون .

30 يونيو 2009 05:23 ص | سلوك و على الأرض


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 3 على “أم عمار سيدة بَنَت ولا تزال تبني الديار”

  1. mohamad يقول:

    مقال رائع.
    نحن هنا إزاء كتابة مندمجة بمجتمعها محبة لأناسه من الفقراء المجاهدين والباذلين العرق بلا حدود مشهرين سلاح الصبر والإيمان ومستخرجين من عذاباتهم مواهب لم يكن يحسب السطحيون أنها موجودة. لسنا إزاء كتابة من برج عاجي ولا كتابة متحذلقة “مثقفة” أي مغتربة ثقافياً ومستلبة للغالب وإمعة له تردد ما يقول حتى دون أن تفهمه. دمت يا أستاذ عبد الله.

  2. raghdaa يقول:

    ليس غريباً على الأستاذ عبد الله الكتابة بهذا الشكل الصادق الأنيق, وهو من عرفت أخلاقاً وصدقاً وطيباً.
    أم عمار مثال من أمثلة كثيرة جداً في مجتمعنا, يحاول الإعلام تغطية عطائهن بتصويره من جانبه المأساوي, لا من جانبه الإبداعي المنطلق من تأدية الواجبات قبل المطالبة بالحقوق.

    شكراً

    رغداء

  3. سلام يقول:

    السلام عليكم
    أعجبني المقال ومقدمته صحيحة جداً فتلفزيون الدنيا هو فعلاً مختلف عن كل ما نتابع من قنوات
    أم عمار تلك المرأة الرائعةالتي تحدت ظروفها ولكن وأستطيع القول إن نموذجها موجود جداً في مجتمعنا
    أنا ومع تجربتي البسيطة أعرف العديد من النماذج سواء من ناحية الصبر أو حتى التدبير والذكاء في التعامل مع الظروف المحيطة
    مجتمعنا بخير الحمد لله

أكتب تعليقاً