أطباء أم مقلدون؟

الكاتب: رغداء

أطباء أم مقلدون

جلال مراد

صار واضحاً لعامة الناس أن طرق العلاج بالوسائل الطبية غير التقليدية أصبح ظاهرة منتشرة في واقعنا، ورغم عدم الاهتمام الرسمي بها, أو المحاربة الرسمية لها بكونها وسائل غير مشروعة للعلاج فإن هذه الوسائل تستمر في التقدم وفي فرض وجودها. وربما إن السلطة الرابعة فقط (سلطة الإعلام) هي السلطة الوحيدة التي تولي هذه الوسائل والطرق الاهتمام الذي يتناسب مع حضورها الواقعي . وسنحاول في مقالنا هذا أن نقف على بعض الأسس المهمة، والتي نرى أن من المفترض على الإدارات الطبية الرسمية أن توليها الاهتمام اللازم لمعالجة هذه الظاهرة وبيان مدى نجاعة الوسائل الطبية البديلة, وهل هي مناسبة لخدمة الإنسان أم هي مجرد خزعبلات باطلة . ما هو الطب التقليدي، وكيف وصل إلى مجتمعاتنا ؟ الطب التقليدي هو الطب الذي يدرس في كليات الطب والذي بناءاً عليه تعطى شهادات للمتخرجين لمزاولة العلاج . ولو أردنا أن نتأمل المنهج الذي يدرس في كليات الطب لوجدناه منهجاً موضوعاً من قبل الدول المتقدمة، وهذه الدول هي أمريكا بريطانيا ألمانيا وما شابههم من الدول الغربية. إذاً إن المنهج موضوع من قبل أشخاص متخصصين ينتمون إلى ثقافة المجتمع الغربي. ويبقى السؤال لماذا تم أخذ المنهج الغربي في كليات الطب ولم يؤخذ المنهج الياباني مثلاً أو المنهج الصيني أو الهندي؟ كثير من الناس يجيبون عن هذا السؤال بأن المنهج الغربي هو منهج حضاري مبني على العلم وهو متقدم على أي منهج آخر .وهنا نعود لنسأل أنفسنا هل تم في وقت من الأوقات مقارنة المنهج الغربي مع المنهج الياباني مثلاً وخلص المختصون لدينا إلى أفضلية المنهج الغربي عن المنهج الياباني؟ الحقيقة أن هذا الأمر لم يحصل أبداً ، والأمر برمته أن المنهج وصل إلينا بسبب أن أغلب دولنا كانت محتلة في وقت من الأوقات لدولة غربية ما ، وقد تم التعرف على هذا المنهج الوحيد وأخذ مجده وأن الأمر لا يتعدى- في حال عدم وجود احتلال مباشر- مقولة ابن خلدون ” إن المغلوب يقلد الغالب ” . من المؤكد أن هذا التقليد لا يقف فقط عند موضوع مقالنا هذا – ولكنه يمتد إلى كل الجوانب المعرفية والإدارية، وربما أن الموضوع أكثر مأساوية عندما يمس مواضيع اجتماعية كموضوع القانون على سبيل المثال. والنتيجة التي يمكن أن نحصل عليها من هذا الاستعراض : ” أن المعرفة الطبية المتبناة من قبل مجتمعاتنا لم تكن بحال من الأحوال نتيجة اختيار حر ووعي وإرادة بقدر كونها معرفة مبنية في الأساس على علاقة الغالب بالمغلوب ” . ولكن يبقى السؤال ما الضير في ذلك ؟ الحقيقة إن هذا التبني أدى على مستوى الواقعي إلى نبذ المعرفة الطبية لدينا في مجتمعاتنا من خلال وصفها بالمعرفة المتخلفة غير المواكبة للحضارة والعلم مما أدى إلى حرمانها من فرصتها في النمو والتعبير عن مكنونها ومحتواها في الواقع، كما أنها حجبت لدينا بنفس الدرجة النظر والتأمل وأخذ ما هو مناسب من المعرفة الطبية الموجودة في المجتمعات العريقة الأخرى كالهند واليابان والصين وغيرهم . أما بالنسبة للمسألة الأولى فقد تم توقف نمو العلاج بالأعشاب الذي له إرث طويل في مجتمعاتنا ذلك العلاج الذي يستخدمه الكثير من الأشخاص الذين لم يدخلوا باب العلم الغربي وكانوا على تماس مع مجتمعاتهم أكثر من استلابهم لعالم العقار الكيميائي الوافد إلينا من خلال الطب التقليدي (الحديث) . ويصاب الكثير منا ممن أخذوا بالمناهج الغربية بالحيرة من كثرة القصص التي يرويها العامة عن الحالات التي تم الشفاء فيها عندما تمت معالجتها من خلال الأعشاب بعد أن عجز الطب التقليدي عن القيام بالعلاج اللازم لهذه الحالات. أما بالنسبة للمسألة الأخرى فإن من نتائج إهمالنا للعلوم الطبية في البلدان الأخرى أنه فاتنا الكثير من المعارف والوسائل العلاجية الناجعة والمهمة ، كالعلاج الوقائي من خلال الماء أو الغذاء أو التمرينات الجسدية اليوغية أو الإبر الصينية أو المساج النقطي ….الخ . والمضحك المبكي أنه لولا اهتمام الغرب القوي بهذه العلوم لم نكن بحال من الأحوال نهتم بها أو ننظر لها بعين الأهمية وهذا ما يدلل على تبعيتنا الغبية للغرب (الحضاري) . في إلماحة مهمة للجابري ” وهو مفكر مغربي مهم ” يقول ما معناه “إن الفرق الجوهري بين العربي في العصر العباسي والعربي في عصرنا الحالي هو مسألة الذات، فعلى الرغم من كثرة الترجمات في العصر العباسي وعصرنا الحالي إلا أن الإنسان في العصر العباسي كان يمتلك ذات يستطيع من خلالها أن يرفض ويقبل يختار ويفرز يقبل ما هو مناسب له ويهمل ما هو غير نافع له أما الإنسان في عصرنا الحالي فإنه يأخذ المترجم بدون ذات، فهو كالورقة في مهب الريح كتاب يأخذه إلى الشمال ويعود به آخر إلى اليمين ” . إن القبول غير المشروط من قبل الجهات الرسمية العربية لكل ما يأتي من أساليب طبية وعقاقير لأنها معتمدة من شركات غربية كبيرة، يوازيه الرفض غير المشروط لكل الأساليب العلاجية المحلية. والأمر الذي نأمل أن يكون الحال عليه هو أن يكون القبول في الحالة الأولى مشروط بمقاييس ذاتية، فعلى سبيل المثال فإن المضادات الحيوية التي استخدمت وما تزال تستخدم لكل شاردة وواردة والتي منعت استخدامها الكثير من الدول المصدرة لها لم تلق هي ولا الكثير من العقاقير المستخدمة العناية اللازمة في فحصها وتقييمها. وبالنسبة للحالة الثانية فمن المفترض أن تشكل هيئات رسمية دقيقة لتشجيع وتقييم الوسائل العلاجية المحلية كالحجامة والخلطات العشبية وما إلى ذلك من الوسائل العلاجية المحلية، أو الوسائل العلاجية من الدول الأخرى كالري كي، أو الإبر الصينية، أو المساج النقطي …الخ. وإعطاء التراخيص الرسمية لممارسة هذه الوسائل لمن هو أهل لها. إن الاهتمام بالتراث الطبي الشعبي المحلي يتعدى كونه نزعة تأصيلية تفيد في استنباط ومعرفة أشكال جديدة للعلاج، ولكنها أيضاً خطوة تفيد في تكامل البنية العلمية مع البنية الاجتماعية كما أنها نشاط يفيد في مشاركتنا الحضارية مع باقي أمم العالم. إن البنية العلمية لمجتمع من المجتمعات هي هوية خاصة به، تقوي ذاته، وتفيد في التفاعل الخلاق والأصيل مع باقي البنى العلمية العالمية.

31 أكتوبر 2009 06:53 ص | سلوك و وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 7 على “أطباء أم مقلدون؟”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    كم من الأمور التي كانت مفاتيح علوم مهمة أهملناها لاحتقارنا لما بين يدينا وانبهارنا بكل ما جاء به الغرب, ولو أنا عملنا على تطويرها لقدمنا للعالم أشياء مهمة جداً.

  2. محمد يقول:

    • الملاحظ في الغرب الآن أنهم يعيدون الاعتبار إلى ما كان يعد لعشرات السنين ركام تخلف وجهل كنسته الحداثة ولا يستحق إلا أن يرمى في القمامة أو النار.
    • من هنا تجد في الغرب كل ما يخطر لك على بال من طب صيني وهندي إلى آخره.
    • وبعض الإنثروبولوجيين ساهم في إعطاء المهتمين في الغرب فكرة نقيضة للفكرة المترفعة التقليدية عن الشعوب الأخرى، وهذا ليس في ميادين الطب فقط، فحتى في السياسة رأيناهم يبحثون في تجارب شعوب بعيدة ليس فيها الظاهرة التسلطية للدولة الحديثة ولعلكم تذكرون الكتاب “مجتمع اللادولة”.
    • وهذا التطور لا زال إلى حدكبير مجهول عند مثقفي الحداثة عندنا الذين توقفت معلوماتهم في القرن التاسع عشر على أبعد تقدير.

  3. جلال يقول:

    إن ما يحصل الآن في الغرب ينتقل مباشرة إلى الخليخ العربي ، فهناك أشكال متعددة للعلاج لكنها ليست رسمية بعد إلا لأصحاب الدم الأزرق كالبرانا هيلنغ والريكي واللأبر الصينية والمساج النقطي والبرمجة العصبية والحجامة والعلاج بالأعشاب .

    وأنا أوافق الأخت رغداء بأننا هدرنا ونهدر يومياً الكثير من الدرر التي إن أحسنا النظر بها وأحسنا تقعيدا وتقنينها لتمخضت عن علوم مفيدة لنا
    على سبيل المثال إن طريقة العمران بالطين أو الحجر الطبيعي طريقة أصبحت بعض فنادق ألمانيا الفخمة تتبعها على أساس أن الطين عازل حراري ممتاز بالإضافة إلى أنه يأخذ من الجو الرطوبة عند ازديادها ويعطيها للجو في حالات الجفاف وكما إنه مخمد نموذجي للكهرباء الساكنه ، فما بالك نحن بإهمالنا لتجربة بناء أضفنا عليها وحذفنا وعدلنا منذ آلاف السنين وهل بقي عندنا معلمين في هذه الصنعات وغيرها
    السؤال مفتوح للجميع.

  4. عماد العبار يقول:

    كما تفضل الأستاذ محمد فإنهم الآن في الغرب يعيدون تجريب واختبار أشياء كانت قد كنستها الحداثة .. وهم الآن يحاولون الاستفادة من كل تجارب الشعوب الأخرى وأظن أن هذا الأمر ليس مقتصراً على المجال الطبي فقط بل يتعداه إلى مجالات أخرى ..
    فهم سبقونا في هذه مرة أخرى أخي جلال :-)
    وهذا ليس مستغرباً إذا ما قارنا كلام الجابري عن الذات الإسلامية في العصر العباسي ، بالذات الغربية الآن التي تستطيع هضم وتحقيق الفائدة من كل ماقد تنتجه المجتمعات الأخرى …
    إذن النقطة التي يجب الإنطلاق منها مرة أخرى هي الذات نفسها ، إعادة بناء الثقة لهذه الذات وتفعيل إمكانياتها المعطلة والمهمشة ، عندها ستستطيع أن تتعامل مع الآخر وإنتاجه بثقة مطلقة دون الخوف على الهوية من الضياع …
    مع ملاحظة أن ماينتجه الآخرون كالصينيين واليابانيين والهنود ليس معزولاً عن إنتاج الحضارات الأخرى ، فهم على ما أعتقد انتفعوا من أبحاث الآخرين وتجهيزاتهم المخبرية والطبية في اختبار ماتوارثوه من وصفات طبية تقليدية وكذلك طوروا منها بحيث أصبحت تعتمد على أوراق وبحوث علمية مما أكسبها ثقة عالمية فغزت الغرب والشرق ، والقصد من كلامي أن موضوع كالطب مثلاً يعتمد على خبرات تراكمية ، فأنا الآن لا أتصور أن يتم الاستغناء عن الأدوية الكيميائية بشكل كامل ولكن من الممكن أن يقلل استخدامها بنسبة كبيرة جداً عن طريق تطعيمها بالأساليب الأخرى من هنا وهناك ، بما يجعل الطب مستودعاً للخبرات والجهود العالمية …
    المشكلة أننا وبسبب مانعانيه من مشاكل في ذواتنا ، فإننا نأخذ من الآخرين أسوأ الذي أنتجوه ، بينما كان من المفترض أن نأخذ عنهم الأدوات البحثية والمعرفية ( ولا زلنا نتكلم عن الطب ) ، وطريقتهم المنهجية في البحث والاستقصاء ..
    سأتوقف هنا قبل أن أضيع في غياهب الذات المستلبة ..
    ولكم تحياتي
    عماد

  5. جلال يقول:

    الأخ عماد في مقالة سأرسلها لاحقاً إن أسعفني الحظ عن ترشيد التفكير بكونه أهم هادر للطاقة البيولوجية وهي توضح ما أريد أن أقوله الآن بعجالة . الأمر لو أن حواراتنا تكون عن وليس حول بمعنى عن علم النفس وليس حول علم النفس عن النهضة وليس حول النهضة لكان هذا الأمر أدخلنا في صلب الموضوع بدل قشوره.
    بالإضافة لأمر على غاية من الأهمية كان مثيراً لي سنوات كثيرة إلى أن تعرفت على الدكتور عادل مصطفى وقدم لي كتاب من تأليفه كان ضالتي والكتاب يتحدث عن ثلاث وخمسين مغالطة يقع فيها الإنسان أثناء التفكير وأثناء الحوار كالتعميم وخلافه ولكني لن أستطيع تحقيق رغبتي الآن في نشر المغالطات نتيجة موقف الدكتور عادل بعد مقالته عن اللغة .
    وللحديث بقية أرجو أن تقرأ مقالة في الطب فهي ” أعتقد أنها مهمة

  6. عماد العبار يقول:

    شكراً أخي جلال ..
    لكن حقيقة ً لم أفهم ماتريده بالتحديد .. أو بالأحرى لم استطع الربط بين كلامك وكلامي
    هذا في حال كنت تعقب على كلامي .. فأرجو منك توضيح كيف تكون الحوارات ” عن ” وليس ” حول ” .. والفرق بين الصلب والقشور ..
    هذا التوضيح هو ماسيساعدني على تلمس الأفكار المطلوب مني أخذها بعين الاعتبار أثناء قراءة “مقالة في الطب ” .. وربما يسهل علي معرفة في أي مغالطة من المغالطات ال 53 وقعت أنا .. إن كنت تقصدني طبعاً
    تحياتي

  7. جلال يقول:

    الأخ عماد لم يكن ينتاتاً استهلالي عن – وحول يتعلق بخطابك أو ححوارنا ولكن عن الفكرة بذاتها وكان الدافع لها تعليقك بأنهم هذه المرة أيضاً سبقونا وبالتالي علينا إن أردنا أن نجاريهم على أقل تقدير التحدث عن وليس حول متجاوزين ( بشكل عام ) المغالطات ) لم أعني على الإطلاق بأنك وقعت بمغالطة أو خلاف ذلك لا أعرف هل الصورة باتت واضحة .
    مع المحبة
    جلال

أكتب تعليقاً