أشهر مؤذّني لبنان الشّيخ صلاح يمّوت: الأذان صوت جميل وأداء متقن ومقامات -النهار

الكاتب: محمد

مِنَ المئذنة يرى السّماء و”ربّ العالمين” وبحنجرة عسليّة ينادي النّاس إلى الصّلاة
أشهر مؤذّني لبنان الشّيخ صلاح يمّوت: الأذان صوت جميل وأداء متقن ومقامات

الشيخ صلاح يموت.
عندما ينادي الشيخ صلاح يمّوت “الله أكبر، الله أكبر” من
علٍ، بصوته العسلي الرخيم، يشعل شيئا ما في الاذنين، ينثر
سحر صلاة في ارجاء بيروت. “من المئذنة، أرى السماء ورب العالمين”، يقول في حديث الى “النهار”. فوق، يحلو له الوقوف في وقت الأذان. “اشعر بانني سارح مع رب العالمين… كأنني اطير احيانا بين السماء والارض”. وايمانه انه عندما يكون يكبّر الله، “تكون الملائكة ايضا تكبّره معي”. الأذان نَفَسُ الشيخ يموت، مؤذن جامع محمد الامين في ساحة الشهداء في بيروت، احد اشهر مؤذني لبنان، متعته، ريقه الطيب، “عسل” تقطر به حنجرته، ويضيف اليه “حبة بركة” كل يوم.

الأذان اساسي في الحياة اليومية للمسلمين، اولا “لانه سنّة عن الرسول”، يقول الشيخ يموت، “وعندما اراد ان يجمع المسلمين، قال لبلال، وكان من الصحابة: يا بلال ارحنا. فطلع بلال الى الكعبة، واذّن. ومنذ ذلك اليوم بدأ الأذان، واستمر مدى العصور”. ثانيا الأذان يعني “مناداة الناس الى الصلاة”، خمس مرات يوميا، بموجب خمسة اوقات محددة. “الله اكبر، حي على الصلاة”، يصيح المؤذن. وبذلك يلخص الشيخ يموت دوره “بتقريب الناس الى الله. وانا سعيد بانني قمت بهذه المهمة، ولا ازال اقوم بها حتى اليوم”.

“شو هالصوت الحلو”

على خطى والده الشيخ احمد مصطفى يموت، سار الشيخ صلاح، منذ صغره. “كان والدي تقيا “ومن اهل طريق، اي من اهل الذكر. وقد ترعرعت في حلقاتهم”. وكان صوت الوالد “جميلا جدا ومن اقوى الاصوات”، يتذكر. “فعندما كان يؤذن في جامع الداعوق، كانوا يسمعونه في الاوزاعي، او البرج، قدر ما كان صوته قويا”. وكما في السيرة، اخذ ايضا الشيخ صلاح عن الوالد الصوت الجميل والقوي. “الصوت وراثي”، يقول، و”كل اصوات اخوتي جميلة، على غرار كل افراد عائلة يموت. لقد امدنا الله بهذه النعمة. فالصوت الجميل نعمة بالفعل”.
وتنفتح الذكريات على ذلك الزمان الغابر، وتحديدا عندما كان الشيخ صلاح في التاسعة. “في احد الايام، قال لي والدي: اصعد يا بابا الى المئذنة واذّن انت اليوم. وصعدت واذّنت. ويومذاك، وقف الناس في الشارع ينظرون الى المئذنة ليروا صاحب الصوت. كنت صغير الحجم، وما امكنهم رؤيتي من وراء حافة الباطون للمئذنة التي حجبتني. اما والدي فكان جالسا عند باب المسجد، وكان يجيب السائلين: هذا ابني. وكانوا يقولون له: ما شاء الله. “شو هالصوت الحلو”.
ذكرى الأذان الاول لا يزال طعمها طيبا في فم الشيخ صلاح. “لقد غمرني الفرح”، يقول. “عندما يؤذن المرء، ففي الامر ثواب من الله. وكنت مدركا لذلك منذ صغري، لانني نشأت في حلقات الذكر”. ومنذ ذلك اليوم، بات المؤذن الصغير على الموعد، كلما طلب منه ذلك ابوه. “كنت اصعد المئذنة على الدرج، واؤذن، وقتين او ثلاثة اوقات يوميا”. وذاع صيت هذا الصبي المؤذن باكرا.
الصوت الحلو. هذا ما اشتهر به الشيخ صلاح منذ صغره، حتى بات من اشهر مؤذني لبنان. “قبل كل شيء، الصوت الجميل موهبة من عند الله”، يقول. “ثم على الانسان ان يتعلم الموسيقى والمقامات الشرقية”. و”الحمد لله”، تعلمها من دون ان يدخل معهدا موسيقيا. وقد وجد طريقة بسيطة وفاعلة للتعلم من خلال برنامج كان يبث “في مصر كل سبت، الساعة الـ2,00، وكان مخصصا للمقامات الموسيقية الشرقية: هذا رصد، هذا بيات، هذا نهوند، هذا سيغا، هذا حجاز، مع موشح تطبيقي لكل منها”. وبعدما كان يسجل البرنامج، كان يعود الى الاصغاء الى المقامات والموشحات المرافقة، “فأحفظها. وصرت اطبق كل ما تعلمته، رويدا رويدا، حتى الاتقان”. وتدفعه حماسته الى تحدي “اي موسيقي اليوم يستطيع ان يجاريني”.

“كرجة مي”

البراعة في المقامات الموسيقية من الشروط التي يرى الشيخ صلاح انها ضرورية لكل مؤذن. “لكن ليس الجميع قادرا على الابداع فيها”، يلاحظ. قدرته هو تمكّنه من تلاوة الأذان على مقامات عدة: البيات، النهوند، الحجاز، العجم… وارتاح اليها كلها”. بالنسبة اليه، الامر واضح: “عندما تكون للانسان صنعة، ويكون “تعبان ع نفسو”، فالمقامات “تمشي معه كرجة مي”. وهذه السهولة التي يبديها في المقامات تجعله “قادرا على دخول اي منها، من دون موسيقى، وعلى ان ينتقل من مقام الى آخر، من دون موسيقى ايضا”.
الى الشيخ مصطفى اسماعيل، وهو مصري، كان يحب ان يستمع من المقرئين في صغره. “لقد شدني اداؤه الغني بالمقامات”. وكما تعلّم الأذان، تعلم ايضا الموشحات الدينية “على السمع”. “كنت استمع الى الشيخ محمد فيومي، والشيخ طاهر فشني، وهما مصريان ايضا”. والى هؤلاء ايضا، وجد متعة في الاستماع الى ام كلثوم. “عندما كنت في الثالثة عشرة، احببتها، وكنت استمع الى اغانيها 3 مرات يوميا، وكانت اغنيتي المفضلة رباعيات الخيام. “يا لطيف”. ولا ازال احبها حتى اليوم”.
“بالصوت والاداء معًا” يتميّز مؤذن عن آخر. واذا كان الصوت الجميل “موهبة”، فان الاداء يبيّن ايضا قدرة المؤذن وقوته. على سبيل المثال، “المؤذن نفسه هو الذي يجعل مدّة الأذان تطول او تقصر، بحيث تراوح عموما ما بين دقيقتين و3 دقائق”، يشرح. “ويمكن النفس ان يكون طويلا او قصيرا. وعندما اتلو مثلا “حي على الصلاة”، استغرق نحو 35 ثانية، فيما غيري لا يتجاوز اكثر من 20 ثانية”.
والاداء، في رأيه، يمكن تقويته “بالتمرين، والاستماع الى المؤذنين المعلمين الكبار، شرط الا يغرق المرء في تقليدهم”. ويشدد على ان “الأذان مقامات موسيقية واتقان مع تجويد”. وانطلاقا من خبرته الطويلة، مؤذنا وقارئا، يلفت الى واقع الحال. “ثمة من يبدأون الأذان، لكن لا احد يرشدهم. وكثر يؤذنون في شكل خاطئ، وهناك ايضا ائمة يقرأون القرآن في شكل خاطئ. لماذا؟ لانه ليس هناك قيّمون يسألون حاليا عن مجريات الامور. لكن الأذان له احكام”.

تساهل وفقدان الرونق

التساهل في الأذان يثير استغراب الشيخ صلاح. وترجع اليه ذكريات “ايام التسجيل” في “اذاعة لبنان” الرسمية. “يومذاك خضعت لامتحان امام لجنة فاحصة ضمت كبارا مثل توفيق الباشا، محيي الدين سلام، حليم الرومي، شفيق ابو شقرا، وغيرهم. وقبل ان انهي فقرتي، قال لي الرومي: “خلص. قوم قوم، ما في لزوم تكفي”. اليوم، لم تعد هناك امتحانات، واي شخص يعرف القليل من القرآن، يسمح له بالتسجيل، وهذا لا يجوز. فاذا لم يكن المؤذن يتقن الاداء، وصاحب صوت جيد، فحرام، حرام”.
واقع آخر “مستغرب” يتمثل في الاستعاضة عن المؤذنين بالتسجيل الصوتي. “المساجد تخلو تقريبا من المؤذنين، اذ يعتمد التسجيل الصوتي، توفيرا للمال. وهذا امر خاطئ”، ينبه الشيخ صلاح. والتسجيل “لا يجوز شرعا، لان المؤذن يجب ان يكون حاضرا بنفسه للأذان، علما انه يجب ان يكون في كل مسجد قارئ وإمام ومؤذن يتسلمون شؤونه”. والى جانب المسألة الشرعية، يَبرُز عامل الرتابة. “التسجيل يُدخِلُ الأذان في الروتين نفسه، بينما المؤذن يعطيه حياة، ويبث فيه روحا، ويشدّ الناس الى الاصغاء”. وفي النتيجة، غياب المؤذن يفقد المسجد “رونقه”.
من جهة اخرى، اذا وُجِدَ مؤذن في المسجد، فواقع الامور يبيّن ان “الراتب الذي يخصص له ضئيل، بحيث لا يتجاوز 150 الف ليرة شهريا. وفي عكار على سبيل المثال، ثمة من يقبض 60 الفا شهريا، ويؤذن خمسة اوقات. فكيف يمكن هذا المبلغ ان يكفيه؟ بالطبع، المطلوب تحسين المعاشات”. والى كل هذا، يضيف امرا آخر. “الموشحات الدينية انقرضت، لانه لم يعد هناك من يتلوها، وخصوصا ان اداءها يتطلب إلماماً. لذلك لا تشجيع حاليا لها، والطلب عليها قليل”.
الشيخ صلاح “نصح كثيرا على مرّ الاعوام”، على ما يؤكد، “وتكلمت كثيرا مع الجميع. ولن اقول لهم اي شيء بعد اليوم. لم يستجيبوا، لذلك قعدت على جنب”. وكانت على قلبه، ولا تزال، تنشئة الشباب المسلمين على الأذان. “قالوا لي انهم سيجهزون لي غرفة لاعد لهم مقرئين. “حكي”. 20 عاما مرت وهم يقولون هذا الكلام”. شكه الكبير انه “محارب”، “لان صوتي جميل وادائي قوي”. وأساه “كبير” ايضا، “لانني لم انقل معرفتي في الأذان والموشحات الدينية الى الشباب”. يبلغ اليوم نحو 75 عاما، لكن صوته لا يزال شابا، قويا، و”اعطي افضل مما يعطي من هم في الثلاثين. ومع هذا كله، لا احد يسأل”.

عسل “ع الريق” مع حبة بركة

حياة الشيخ صلاح مؤثرة. فالى جانب افتتانه بالأذان، توجه في شبابه الى درس الشريعة الاسلامية، والقرآن والتجويد، وعمل في المحاكم الشرعية الاسلامية. ومع الوقت، وسّع نطاق قراءته للقرآن ليشمل المناسبات الدينية، واحياء الحفلات الدينية الخاصة في البيوت والمساجد. وكان كلما اطلق العنان لصوته الرخيم، اتسعت رقعة سامعيه والمعجبين به… وصولا الى مختلف دول المنطقة. ففي ايران على سبيل المثال، فاز العام 1992 بالمرتبة الاولى في مسابقة للمقرئين شملت 47 دولة. ولا تزال كلمات احد اعضاء لجنة الحكم: “القارئ اللبناني صلاح يموت نوّر كل طهران” والتصفيق الحار الذي حصده آنذاك تفجّر الفرح في قلبه، وبمثابة “وسام على صدري”، يقول. وبعفوية اللقاء، يترك صوته يجود، ويجود، عائشا تلك اللحظات مجددا، كأنها اليوم، بينما يسطع فرح سرى في عينيه.
الى المغرب، دعي خمس مرات متتالية، في اطار “الدروس الحسنية” المنظمة هناك. كذلك، حطت رحاله في البحرين، حيث اقام حفلات دينية، “كانت من اجملها”، على قوله. والنشاطات اليوم منوعة، ما بين مشاريع تسجيل في الاستوديو، واداء الموشحات الصوفية، واقامة الحفلات الدينية…
وبعد اكثر من 66 عاما على بداية حياته مع الأذان، يعيش الشيخ صلاح مرتاح البال. “لا، لست نادما لانني فضلت الأذان على الفن الذي شجعني عليه بعضهم. وفي كل حال، الرزق من عند الله. وكل ما اطلبه منه هو ان يتقبل مني طاعتي. ومن يكن مع الله، يكن سعيدا في حياته. وامنيتي ان يرضى عني وعن ذريتي”. وفي القلب امل ينتظر ان يتحقق يوما من الايام. “اتمنى ان يرسل اليّ الله اناسا يعرفون في الاصول، لانجز معهم تسجيلات كي تبقى ذكرا، تراثا يستمتع به الناس”.
ويبقى الصوت المتلألئ سرّ الشيخ صلاح، ووصفته للمحافظة عليه بسيطة: “آكل كل شيء، لا ادخن، امارس رياضة المشي كل يوم- فالرياضة مهمة اذ تقوي الرئتين، وبالتالي النفس- اصطاد السمك (يضحك عاليا)، اتجنب الحر والبهار، اكسر “سمّ” الماء البارد، واتناول كل يوم عسلا “ع الريق” مع حبة بركة”.
كتبت هالة حمصي

22 أغسطس 2010 10:07 ص | تاريخ ينبض


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

أكتب تعليقاً