مقاصد القرآن الكريم

المحرر: رغداء

مقاصد القرآن الكريم

 رغداء زيدان

يعتبر كتاب مقاصد القرآن الكريم لمؤلفته الأستاذة حنان اللحام والذي صدر عن دار الحنان في دمشق عام 2004م, من الكتب التي تعرض وجهة نظر جديدة متعلقة بمقاصد الشريعة. وقد اتبعت فيه أسلوباً جديداً, حيث قامت بتصنيف آيات القرآن الكريم حسب مقاصدها, والتي وجدتها تنقسم إلى مصالح للفرد, ومصالح للأمة, ومصالح تهدف للإرتقاء والتطوير, ومقاصد لحفظ الدين.

وقد عرضت في كتابها لأهم المؤلفات في مقاصد الشريعة, ومنها: “موافقات الشاطبي” الذي صنّف المقاصد إلى ضرورية ـ حاجية, وتحسينية. و”مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها” لعلال الفاسي, الذي ميّز بين العلة والمقصد, فآية “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى” هذه علة الحكم أما المقصد فهو تحقيق العدل. وقد تحدث عن الإرشاد كأصل من أصول التشريع, دُلّ عليه بمقصد شرعي. فمثلاً آية ” فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” هو أمر للأمة جمعاء ليستكملوا ما قصد إليه الشارع من إبطال التعدد مطلقاً.

ومن تلك الكتب التي عرضت لها أيضاً “مقاصد الشريعة آفاق التجديد” وهو من تحرير وحوار عبد الجبار الرفاعي. وهو حوار مع علماء الأمة حول المقاصد. ومنهم محمد مهدي شمس الدين, وطه جابر العلواني, ومحمد حسن الأمين, وأحمد الريسوني.

وهناك كتاب “نحو تفعيل مقاصد الشريعة” لجمال الدين عطية الذي تحدث عن تفعيل العقل, وترتيب المقاصد, والذي عرض فيه لتصور جديد للمقاصد وقدم تضميناً جديداً للمقاصد.

 

بعد ذلك بدأت الأستاذة حنان كتابها بالحديث عن مقاصد القرآن الكريم, فكانت تصنف الآيات تحت عنوان محدد ثم تعرض لهذه الآيات وتسردها بترتيبها في القرآن الكريم, وقد بدأت بالحديث عن الإيمان والغاية من خلق الإنسان والكون فوجدت أن من مقاصد خلق الإنسان في القرآن: خلق الإنسان لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض, وابتلاء له لكشف المحسن من المسيئ, وتطوير الإنسان وتفعيل عقله, وتكريمه والإنعام عليه, وأخيراً لغاية التعارف والتعاون الإنساني.

 

أما مقاصد خلق الكون فتتمثل في أن الكون دليل عقلي على الله سبحانه وتعالى, وهو مسخر لخدمة الإنسان, والكون ابتلاء للإنسان, ولغاية إمتاع الإنسان بالجمال.

 

وهناك حديث عن مقاصد القدر: فالمصائب هي عواقب ونتائج لأعمال سيئة, والإنعام على العباد بنتائج جهدهم, أما الابتلاء فهو لتمحيص القلوب, والقدر للعظة والاعتبار, ومن مقاصد القدر دفع الفساد وإنهاء الباطل, والتمييز بين العاجلة والباقية

 

ـ وفي القسم الثاني من كتابها تحدثت الأستاذة حنان عن مقاصد الدين في القرآن الكريم, ووجدت أنها تنقسم إلى مقاصد لحفظ مصالح الفرد, ومقاصد لحفظ مصلحة الأمة, ومقاصد للارتقاء والتطوير, ثم مقاصد لحفظ الدين.

وقد وجدت أن مصالح الفرد في القرآن الكريم والتي ينظر إليها على أنها حقوق له تبدو وكأنها واجبات يقوم بها الفرد ويصنعها بيديه ليستمتع بها بعد ذلك, بل لتصبح هذه الحقوق أرضية ثقافية يستمتع بها كل من يعيش في هذه الأمة. ومن تلك المقاصد: رعاية العقل وتفعيله

من خلال البيان والتفصيل والتذكر والتعليم والتفكير وإعمال العقل ومنع الإكراه في الدين والحكمة والرشاد والموعظة والعبرة. ومن مقاصد تحقيق مصلحة الفرد تكريم الإنسان وإتمام النعم عليه وهدايته, الاهتمام بصحته النفسية من خلال التخفيف والرحمة ومنع الحرج, ومن خلال التحرر من الخوف والحزن وتحقيق السلام والرضى. ولا بد من تحقيق العدل ومنع الظلم للمحافظة على مصالح الفرد لذلك فإن الله سبحانه عادل مع الجميع, وهو يأمر بالعدل في كل الأحوال حتى مع الأعداء, وبيّن لنا أن الظلم سبب في هلاك الأمم, وأن الكتاب نزل لإقامة العدل وأظهر جدلية العلاقة بين الظلم والشرك.

 

ويعتبر تحسين الرزق من أهم مقاصد الشريعة للحفاظ على مصلحة الفرد, لذلك فقد كانت البركة في الرزق في منهج الله سبحانه وتعالى, أما الكفر والمعاصي فهي ماحقة للرزق. وقد حرص التشريع على تنظيم المعاملات المالية, وحثّ على الإنفاق واعتبره سبباً للرزق, وبيّن أن المثل الأعلى أحسن الرزق.

وكان الاهتمام بالصحة الجسدية من خلال صيانة الحياة من كل خطر, والاهتمام بالصحة الجنسية ورعاية النسل من المقاصد المهمة للتشريع الإسلامي وذلك لتحقيق مصالح الفرد.

 

ومصالح الفرد لا تتعارض مع مصالح الأمة ولكنها تتكامل معها, لذلك كان الاهتمام بتحقيق مصالح الأمة هو المقصد الثاني البارز في القرآن بعد بيان مقاصد  مصلحة الفرد.

وقد بيّن القرآن أنه لتحقيق مصالح الأمة لابد من العمل على الوقاية من سوء العاقبة من خلال التبشير والإنذار, والسعي نحو النجاة والفلاحوتقرير الأنفع ونفي الضرر (الإصلاح وإنهاء الفساد), والعمل على إنهاء العداوة والخلاف (الوحدة التواصل), وإيجاد مرجع للتحاكم.

ويبقى هدف الارتقاء للأفضل وتطوير الحياة الإنسانية مقصداً بارزاً في القرآن الكريم, فالحث على الأخلاق الطيبة والحديث عن الصراط المستقيم والبر والإحسان, والحث على التجديد والتطوير (العالمية), وحمل الأمانة والريادة للأمم, والتزكية والتطهير كلها مقاصد واضحة في القرآن الكريم.

 

أما حفظ الدين فيكون من خلال تقرير الحق وحسن الصلة بالله, والتثبيت على التوحيد والإيمان, وإقامة الحجة ـ التبليغ ـ شهادة النبي, وامتحان الطاعة, وتصديق الرسل, والعمل على الوصول إلى الجنة والمغفرة.

 

ـ وبعد أن انتهت الأستاذة من عرض آيات المقاصد وفق الترتيب الذي اعتمدته, عرضت لبعض الأحاديث التي تدل على مقاصد الشريعة, وذكرت بعض هذه المقاصد, مع بعض الأحاديت التي تحدثت عنها فتحدثت عن اليسر “إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه………” وتحدثت عن ضمان حقوق المسلمين “المسلم من سلم المسلمون من لسانه………”, وتحدثت عن التلاحم والمحبة في الأمة “أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام…..”, وعن الاستقامة باعتبارها لب الدين الأنفع “قل آمنت بالله ثم استقم….”, وعن تفعيل العقل “من سلك طريقاً يطلب به علماً……”.

 

وفي نهاية الكتاب وضعت الأستاذة جداول ورسوم بيانية لآيات المقاصد, لتقدم تصوراً عاماً للموضوع, واستخلصت مجموعة من النتائج: فعدد آيات القرآن 6236 آية منها تقريباً 1950 آية فيها مقاصد وعدد المقاصد تجاوز 2200 مقصداً, وهناك سور كان فيها أكثر من نصفها آيات مقاصد, وأكثر سورة فيها مقاصد هي سورة الطلاق.

 وقد ورد الحديث عن مصالح الفرد في 1288 موضعاً في القرآن الكريم, ومصالح الأمة 385 موضعاً, والارتقاء للأفضل وتطوير الحياة 290 موضعاً, وحفظ الدين 288 موضعاً.

 

وفي نهاية الكتاب عرضت لبعض التطبيقات, التي يمكن النظر إليها من باب المقاصد الشرعية للقرآن الكريم, والتي يستطيع العلماء استخلاص أحكام جديدة لمسائل تهمنا في عصرنا الحالي, وكان من هذه المسائل التي عرضتها باختصار شديد: تحريم التدخين, وتحريم السلاح الذري , وقتل المرتد, وصوموا لرؤيته, ونظام العقوبات (الحدود), وتفعيل الزكاة, وقضايا المرأة: طاعة الزوج ـ الحقوق المالية للمطلقة ـ منع زواج الصغار ـ توريث الزوجة الكتابية ـ إن أسلمت وبقي زوجها كتابياً ـ سفر المرأة دون محرم ـ تنظيم الزواج والطلاق وتعدد الزوجات ـ المرأة العاملة.

 

إن كتاب مقاصد القرآن الكريم هو بحث يستحق التوقف عنده, وإن كنت أجد أن هذا البحث قابل للتغير حسب تصنيف الآيات, والتي يمكن أن تتغير بسبب شمولية الآيات وتداخلها, وهذا ما أقرت به الأستاذة, حيث بينت أنها أعادت التصنيف خمس مرات وفي كل مرة كانت تضيف وتغير وتبدل, ولكن هذا الجهد يعطي فكرة تستحق النظر والبحث بصورة أوسع.

ووفق وجهة نظري, كان من الضروري وضع منهج واضح لتصنيف هذه الآيات, هذا التصنيف الذي يرسم مخططاً لنظام الإسلام ككل, ولكنه لا يعطي صورة مفصلة لمقاصد الشريعة بشكل دقيق, فإذا كان هدف مقاصد الشريعة هو إعمار الكون كما ذكر العلماء, فإن الآيات القرآنية تبين لنا الوسائل التي يمكننا من خلالها تحقيق هذا الإعمار, وما قامت به الأستاذة حنان لا يقدم هذا التفصيل ولكنه يعطي الهيكل العام الذي يمكن اعتماده , ليس بشكل نهائي, ولكن بصورة منهجية أو دلالية للبحث في الوسائل التي تقدمها الآيات القرآنية لتحقيق مقاصد الشريعة.

وبرأيي فإن الاهتمام بمقاصد الشريعة ومعرفتها وزيادة البحث والنظر فيها يعتبر من أهم الوسائل التي ستساعدنا لتقديم اجتهادات جديدة نحن بأمس الحاجة لها حتى نتمكن من النهوض بأمتنا من كبوة الانحطاط, وبالتالي فإن معرفة المقاصد سيحرر العقل المسلم من الجمود, وسيمكن العلماء المعاصرين من تقديم آراء فقهية تتناسب مع المتغيرات الزمانية والمكانية والعلمية. بدل التقوقع فيما قدمه العلماء القدماء من آراء فقهية ناسبت عصرهم وقدمت صورة عملية تطبيقية أنجبت حضارة إنسانية راقية في ذلك الوقت. فاليوم نجد أن هناك من يحاول التمسك بعباءة القديم دون اعتبار للمتغيرات الحضارية وقد قاده هذا إلى الاهتمام بسفاسف الأمور مثل تقصير الثوب وحف اللحية وغيرها من الأمور الأخرى المشابهة ولا نجد عنده أدنى استعداد لإعمال الفكر, وبالمقابل نجد من يهاجم العلماء وآرائهم ويحملهم مسؤولية انحطاطنا, دون تمييز وتقدير لعملهم الفكري الذي قاموا به لزمانهم, وتراهم يسخفون كل ما ورد على لسان هؤلاء العلماء حتى تحول الأمر إلى مهاجمة للدين كله فكان حالهم كحال من حمّل الدواء واعتبارات الوقاية مسؤولية المرض وسوء الاستخدام.

02 أغسطس 2009 05:48 م | مفاهيم و وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على “مقاصد القرآن الكريم”

  1. مريم يقول:

    السلام عليكم
    جزاكم اللة خيرا عى الموضوع

    هل تكرمتكم باعطائي اسم الكاتبة بالكامل مع الكتاب ارجوا ارسالة الى بريدي الالكتروني

    شكرا

أكتب تعليقاً