علاقة الحق بالواجب في فكر العلاّمة مالك بن نبي- نور الهدى

المحرر: محمد

علاقة الحق بالواجب

في فكر العلاّمة مالك بن نبي

نور الهدى

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }[1]

اجتهادك فيما لَكَ، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك؛ دليل على انطماس البصيرة منك”[2]

تُعلّمنا هذه الحكمة والآية الكريمة قبلها أنّ اشتغال الإنسان بحقوقه عن واجباته لن يُثمر أبدا، فالفوز بالجنان والاستخلاف في الأرض في منطق الإسلام ينبني على العمل الصالح والسعي والاجتهاد. هكذا كان يرى مفكّرنا الراحل العلاقة بين الحق والواجب، وقد أولى الموضوع اهتماما كبيرا لما لِفهْمه الصحيح من دور بالغ في نهضة المجتمعات وازدهارها.

المشكلة في كثير من الشعوب والمجتمعات الإنسانية أنّها قلبت المعادلة رأسا على عقِب، واعتمدت مبدأ السهولة الذي هو مبدأ المطالبة بالحقوق وأغفلت مبدأ القيام بالواجبات.

يحكي مفكّرنا أنّ الشعب الجزائري -كنموذج- كان غارقا في الجهل وعبادة الأوثان التي تمثّلت في الزوايا والحروز والأولياء الصالحين..حيث كان الشعب آنذاك خاملا- لا يقوم بواجباته- بل يتلمّس رضا شيوخه ودعواتهم في أن تدخله الجنة. ثمّ جاء عام 1925 الذي سطع فيه نور الفكرة الإصلاحية وتهاوى معبد الأوثان على مرتاديه، وبرز مفهوم العمل -القيام بالواجبات- كشرط للفوز في الدارين. يرى ابن نبي أنّ عمل أولئك العلماء المصلحين المتمثّل في إحياء روح الواجب في قلوب الناس كان رائعا ومخلصا للغاية لولا أنّه لم يختلط بالسياسة عام 1936 حين شعر المصلحون بمُركّب النّقص إزاء قادة السياسة في ذلك العهد، فقاموا بمسايرتهم والتماشي معهم عوض أن يواصلوا عملهم الإصلاحي الحرّ النّزيه.

من هنا عادت فكرة الحروز والأوثان لكن بثوب جديد هذه المرة. فأوراق الحروز -في فكر مالك بن نبي- استبدلت بأوراق الانتخابات وحلّت محلّ دعوات الأولياء الصالحين وبركاتهم – الخاملة والقاتلة لروح العمل في الشعوب- حلّت محلّها الوعود الكثيرة والحقوق السياسية والأماني السابحة في الخيال، التي تُطلقها الحملات الانتخابية وهكذا.

وبهذا أصاب الخلل مفهوم العمل والقيام بالواجبات من جديد. “فالحقّ ليس هدية تُعطى ولا غنيمة تُغتصب وإنّما هو نتيجة حتميّة للقيام بالواجب فهما متلازمان.”[3] و “لكلّ سعي – قيام بالواجب- أثره وإن قلّ، إذ هو يُساهم في بناء التقدّم والنهضة، تماما كما تُساهم القشة الصغيرة في بناء عش الطير.”[4]

ويُضيف قائلا: “لقد أصبحنا لا نتكلّم إلاّ عن حقوقنا المهضومة ونسينا واجباتنا، ونسينا أنّ مشكلتنا ليست فيما نستحقّ من رغائب بل فيما يسودنا من عادات وما يُراودنا من أفكار..وبدلا من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة على الحياة، فإنّها أصبحت منذ سنة 1936 سوقا للانتخابات…وكم ردّدنا عبارة: (إننا نطالب بحقوقنا) تلك الحقوق الخلابة المغرية التي يسْتسهلها الناس فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب: طريق الواجبات.”[5]

ويصف بن نبي أنّه بهذه الطريقة تمّ القضاء على روح حبّ العمل والفناء في القيام به، في سبيل تحقيق أهداف على المدى الطويل، و”هكذا تحوّل الشعب إلى جماعة من المستمعين يصفقون لكلّ خطيب، أو قطيع انتخابي يُقادُ إلى صناديق الاقتراع.”[6]

“وفي هذا اختلاس أي اختلاس للعقول التي أشرفت على قطف ثمار نهضتها، فإنّ هذه العقول قد عادت إليها الوثنية التي تلِدُ الأصنام المتعاقبة المتطوّرة.” و”هكذا وجدنا أنفسنا بين أحضان الوثنية مرة أخرى. كأنّ الإصلاح قد حطّم الزوايا والقباب من دون الوثن. فقد توارت الفكرة عن العقول وحلّت محلّها الوثنية التي تتكلّم وحدها إذ نُصِب لها في كلّ سوق منبر، كي يستمع الناس إليها، تسلية لهم، وإغفالا لواجباتهم، وإبعادا لهم عن طريق التاريخ.”، ” أصبح الشعب -إثْرَ ذلك- يؤمن بالعصا السحرية التي تُحوّله بضربة واحدة إلى شعب رشيد، مع مابِه من جهل، وما تنتابه من أمراض اجتماعية…وإننا لنتذكّر – بكل أسف- مأدبة أقامها طلبة الجامعة في الأشهر الماضية، وتكلّم فيها أحد الطلاب فقال: “إننا نريد حقوقنا ولو مع جهلنا وعُرينا ووسخنا.”

ولقد كانت هذه الكلمة موضِع استحسان من جميع الحاضرين”

يُعقّب مالك على هذا الموفق غاضبا :

” ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يُلبِسه صاحبه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أمّا الأول فهو متخفّ في غرور المتعلمين “.

” ولقد بدأنا بالفعل في التقهقر و العودة إلى الظلام، و بعثرة الجهود وتحطّم المساعي، والإسراف في إمكانياتنا القليلة التّي تتطلّب منا صرفها فيما يفيد تقدّمنا”[7].

من المسّلم به أن الإنسان بطبعه يميل إلى الراحة والركون وإن وجد مع ذلك من يعينه ويشجّعه على المضيّ في هذا الاتجاه فسوف لن يتوانى عن تلبية النداء. وتختلف تلك التشجيعات في صور عديدة لكن جوهرها ورسالتها واحد لا يتغير وهو يفيد بأنّه: لا داعي إلى العمل بجّد وإخلاص القيام بالواجبات في سبيل الارتقاء بالأنفس والمجتمعات، والحصول على قدر من العيش الرغيد الذي تحترم فيه كرامة الإنسان وحريته – الحقوق البشرية- و إنما يكفي قلب المعادلة وقراءة الجملة من الآخر بجعل المطالبة بهذه الحقوق الأخيرة هي ذاتها العمل. بهذا يغدو المجتمع خاملا كسولا عالة على الآخرين تجرّه أمان زائفة وهيهات هيهات أن ينجح أو أن يعرف للنجاح سبيلا.

كائن الأميبا والمطالبة بالحقوق:

يواصل مفكّرنا محلّلا: “خلق مجتمع ما بعد الموحدين كائنا على صورة “الأميبا”: كائنا مُتبطّلا يتسكّع، حتى إذا رأى فريسة هينة أبرز إليها ما يُشبه “اليد” ليقنصها، ثمّ يهضمها في هدوء. ولقد شاءت المصادفة أن تُمدّه بفرائس أشبعت حاجاته المتواضعة، فدرج على هذا النحو خلال قرون خلت اتّكل فيها على عناية السماء لترزقه، حتى إذا جاء الاستعمار اختطف منه ما كان يطعم، حتى لم يدع له شيئا يتبلّغ به، وكان من نتيجة ذلك أن تحرّك ضميره الأميبي، أعني معدته، فمدّ “شبه اليد” إلى فريسة وهمية أطلق عليها لفظة “الحق”.[8]

ويُتابع قائلا: “لسنا بحاجة إلى نظرية تهتم “بالحق” على حدة أو “بالواجب” على حدة، فإنّ الواقع الاجتماعي لا يفصلهما، بل يقرنهما ويربط بينهما في صورة منطقية أساسية، هي التي تُسيّر ركب التاريخ. ومع ذلك فينبغي ألاّ يغيب عن نظرنا أنّ “الواجب” يجب أن يتفوّق على “الحقّ” في تطوّر صاعد، إذ يتحتّم أن يكون لدينا دائما محصول وافر. أو بلغة الاقتصاد السياسي “فائض قيمة” هذا “الواجب الفائض” هو أمارة التقدّم الخلقي والمادي في كلّ مجتمع يشقّ طريقه إلى المجد. وبناء على ذلك يمكننا القول بأنّ كلّ سياسة تقوم على طلب “الحقوق” ليست إلاّ ضرْبا من الهرج والفوضى. والحقّ أنّ العلاقة بين الحق والواجب هي علاقة تكوينية تُفسّر لنا نشأة الحق ذاته، تلك التي لا يمكن أن نتصوّرها منفصلة عن الواجب وهو يُعدّ في الواقع “أوّل عمل قام به الإنسان في التاريخ”.[9]

“لن يكون هذا الإنسان فريسة سهلة إذا ما اتجه إلى تثقيف طرائق تفكيره، وطرائق عمله، طِبْق منطق عمليّ يخطط نشاطه ومنطق علميّ موضوعي يُنظّم فكره، وإذا تخلّص من الخرافات التي تكفّ نشاطه وتحدّ من فاعليّته.”[10]

“فنحن ندرك الآن شيئا فشيئا أنّ واجبنا هو أن نبذل جهودا ضخاما في جميع الميادين، وأن نقوم بكثير من الواجبات لكي نصل إلى حقوقنا، التي تصبح حينئذ مشروعة.”

“والواقع أنّ خرافة هذا الذهان – ذهان الاستحالة- تختفي تماما متى ما قُمْنا بأقلّ الجهود تواضعا، لأنّ لكلّ جهد ثمرته في الميدان الاجتماعي، ومتى تجمّعت الثمرات بصورة ايجابية وجدنا أنّ أداء الواجب أعظم أثرا من المطالبة “بالحق”"[11]

ويروي الكاتب نموذجا يراه تجسيدا لفكرته والنموذج يتمثّل في جماعة من الشبّان المتطوّعين في قرية القدّيس يوجين أبصروا حاجة سكّانهم إلى طريق فتطوّعوا وعملوا على حفْر الطريق وتعبيده خدمة للجميع. يتساءل بن نبي: هل يعلم هؤلاء الشبان أنّهم دخلوا في سجّل التاريخ بعملهم هذا؟ ويردف قائلا: “ومع ذلك فمن المستحسن ألاّ يعلموا، فالرواد دائما جنود مجهولون، وهم يكتفون بأن يرسموا طريق “الواجب” لمن بعدهم، وربّما كان بوُسعهم أن يتحدّثوا عن حقّ القرية في أن يكون لها طريق، وبالتالي يتحدّثون عن الشعب المسلم التعيس في قرية القديس يوجين، ولكنّهم آثروا أن يُنشئوا الطريق بأنفسهم كأنّهم من عمّال الحفر والبناء في البلدية، وبهذا أعادوا إلى الفكرة الأساسية مغزاها الحق.”[12]

حديثٌ عن الواجب:

بعدما تبيّنت لنا العلاقة التي تربط الحقّ بالواجب، وبعدما رأينا أنّ السبيل الأمثل للحصول على الحقوق هو القيام بالواجبات بكل حبّ وتفانٍ؛ نتطرّق الآن إلى جوانب تخصّ عنصر الواجب.

المنطلق العملي:

يقصد الكاتب بهذه العبارة:”كيفية ارتباط العمل بوسائله ومقاصده ” وذلك:

“حتى لا نستسهل أو نستصعب شيئا دون مقياس”. و هو يعني أيضا: “استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة”.[13] “و نظرة إلى ما حولنا تكفينا لكي نلاحظ أن ضروب نشاطنا غالبا ما تتّسم بالخلل وانعدام الفاعلية في الجانب الخاص أو العام”.

“ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطلق لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكوّن في جوهره من الإرادة والانتباه شيء يكاد يكون معدوما.”[14]

“إننا نرى في حياتنا اليومية جانبا كبيرا من (اللافعالية) في أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير منها في العبث وفي المحاولات الهازلة “. “وإذا ما أردنا حصرا لهذه  القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين الأشياء ووسائلها وبين الأشياء وأهدافها، فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مُثلها العليا وفكرتنا لا تعرف التحقيق، وإن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفي كل خطوة نخطوها.”[15]

القيام بالواجبات بين العشوائية والمنهجية

في سياق تناوله لموضوع الواجبات؛ فرّق ابن نبي بين واجب نقوم به بطريقة منهجية وآخر نقوم به بطريقة عشوائية. عندما تكون الاستقاظة بعد نوم عميق وطويل، لم يُمهّد لها ولم يُخطّط لها مُسبقا؛ ترى القوم المستيقظين يتّجهون باتجاهات متباينة: يقتبسون من هذا وينقلون من ذلك دونما سعي لمعرفة ما يصلح وما لا ينفع، ودونما دراسة جدّية تُجيب عن السؤال التالي: أيّ نهضة نريد؟ تتكاتف الجهود للإجابة عليه ومن ثَمَّ لتطبيق ذلك واقعا.

لذلك:” كانت النهضة، ولكن دون توجيه منهجيّ، فتحرّرت قوى كانت من قبل خامدة، بيد أنّها لم تتخذ مجالا أو تتسلّم دورا، لقد ثار العالم الإسلامي الحديث، لكن ثورته كانت في ظرف مُغلق…تِلكُم هي مأساة (الحركة) التي شاءت أن تتحرّر من (السكون)، مأساة الفكر في نضاله ضدّ البلادة والقلق، مأساة الرجل الذي استيقظ ولم يعرف بعْدُ واجبه.”[16]

علاقة عدم القيام بالواجبات بالقابلية للاستعمار:

“كوْن المسلم غيرَ حائز على جميع الوسائل التي يُريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستعمار. وأمّا ألاّ يفكّر المسلم في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداما مؤثّرا، وفي بذل أقصى جهد ليرفع من مستوى حياته، حتى بالوسائل العارضة، وأمّا ألاّ يستخدم وقته في هذه السبيل فيستسلم – على العكس من ذلك- لحظة إفقاره وتحويله كمّا مهملا، يكفل نجاح الفنية الاستعمارية: فتلك هي القابلية للاستعمار.”[17]

نختم عرضنا هذا بقوْل مفكّرنا ابن نبي: “ليس الشعب بحاجة إلى أن نتكلّم عن حقوقه وحريّته، بل أن نُحدّد له الوسائل التي يحصل بها عليها، وهذه الوسائل لا يمكن إلاّ أن تكون تعبيرا عن واجباته.”[18]


[1] النور55

[2] حكمة من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري.

[3] مالك بن نبي: “شروط النهضة”، تر: عمر مسقاوي، عبد الصبور شاهين، مكتبة دار العروبة، القاهرة، ط2، 1961، ص39.

[4] نفسه: ص40.

[5] نفسه: ص42،43.

[6] نفسه: ص43.

[7] نفسه: ص45.

[8] مالك بن نبي: “وجهة العالم الإسلامي”، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، سوريا، ط2، 1970: ص160.

[9] نفسه: ص161.

[10] نفسه: ص163.

[11] نفسه: ص167،168.

[12] نفسه: ص170.

[13] مالك بن نبي: مشكلة الثقافة ،  دار الفكر ،دمشق ،ط 2000:5، ص85.

[14] نفسه: ص86.

[15] نفسه: ص87.

[16] مالك بن نبي: “وجهة العالم الإسلامي”،. ص77.

[17] نفسه: ص87.

[18] نفسه: ص163.

28 فبراير 2010 04:09 م | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 4 على “علاقة الحق بالواجب في فكر العلاّمة مالك بن نبي- نور الهدى”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    لعل أهم ما ركّز عليه مالك بن نبي هو فكرة أداء الواجبات قبل الانشغال بالمطالبة بالحقوق, والتي لا بد أن يحصل عليها كل من يؤدي واجبه, وقد أفلحت الأستاذة بية في بيان هذه الفكرة في مقالها الذي تشكر عليه

  2. محمد يقول:

    شكرا أختي بية على المقال النافع عن مالك رحمه الله

    أنا كان لي محاولة في الاتجاه نفسه لتقديم أفكار مالك رحمه الله مع تطبيقات واقعية في كتابي “مالك بن نبي والوضع الراهن” وصدر عن دار الفكر في دمشق عام 2007

    http://www.fikr.com/?Prog=book&Page=bookinfo&id=19240

  3. محمد يقول:

    لا بد في اعتقادي من ذكر نقطة كانت تبعد هذا المفكر الممتاز الأصيل عن الجمهور وهي سوء اللغة.
    لا يتعلق الأمر فقط بأنه كان يكتب بالفرنسية أساسا ومعظم كتبه هي ترجمات، بل يتعلق بعدم توفيق بعض الصيغ في اعتقادي.
    لنأخذ واحدة من أهم أفكاره وهي فكرة تقديم الواجبات على الحقوق وفقا للتعبير الشهير لهـ وذكرته هنا أختنا بية.
    هذه الصيغة ملتبسة ومن الصعب للغاية على الإنسان عندنا الذي يعاني في علاقته مع دولة استعمارية أو وطنية متغوّلة تاريخيا لا تقر له أصلا بأن له أي حقوق كانت (ولا حتى حق الحياة ناهيك عن الحقوق الأخرى) أن يفهم أو يتفهم مهاجمة مالك بن نبي (الظاهرية على الأقل وعلى أساس صيغه اللغوية الملتبسة) لفكرة الدفاع عن الحقوق.
    وبالتكامل مع هذا دفاعه عن تقديم الواجبات، إذ أن الخطاب المتسلط في دولنا بل في مجتمعنا لا ينفك يجلد الفرد “بواجبات” لها أول وليس لها آخر بحيث يكاد الفرد يظن أن محتمعنا هو مجتمع فيه واجبات وليس فيه حقوق!
    مالك رحمه الله كان يقصد شيئاً آخر طبعا فهو لم يكن يعيّن للفرد منطق علاقته مع السلطة الاجتماعية أو السياسية بل كان يعين له المنطق الذي يجب أن يسيّر حياته ليغيرها إلى الأفضل. فالحقوق لا تؤخذ بالمطالبة بل بالعمل لتغيير الذات لتصبح قوية قادرة على فرض ما تريد وأحذ ما تستحقه من حقوق. وهذا العمل لتغيير الذات عبر عنه مالك بهذه الصيغة الملتبسة التي هي “القيام بالواجبات” وهي، مثل صيغ كثيرة جدا من صيغه تحققت من وجودها عنده من حلال قراءتي المدققة في مؤلفاته، تعاني من فرط الاختصار وهو اختصار يكون في كثير من الأحيان مخلا لشرط الفهم ويسمح بسوء الفهم ولا يمكّن إلا القارئ الصبور من فهم المعنى عبر السير مسافات بعيدة في القراءة حتى تلتئم الأفكار المتباعدة والصيغ المتناثرة في كل منطقي منسجم.- محمد شاويش

  4. حماني محمد يقول:

    شكرا على هذا الموضوع و جزاك الله خيرا

    لقد كنت ابحث عنه مند مدة

أكتب تعليقاً